مقالات إسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٩
المسلمين، والمسلمون وإن اختلفوا في آرائهم ومذاهبهم وفي عناصرهم وشعوبهم إلا إنهم متحدون لطرد أعدائهم وصيانة أوطانهم. كما إن غاية العقل من هذه الحياة ليس إلا الترقي الدنيوي والآخروي، ومن المعلوم ان استيلاء الكفار على بلاد المسلمين يمنع عنهم كلا الترقيين، أمّا الآخروي فواضح (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [١])، وأمّا الدنيوي فلا عز ولا شرف ولا كرامة، فيرتفع كل هذه بمجرد استيلاء الكفار على بلاد المسلمين، بل لو تأمل المنصف أدنى تأمل لقطع بأن المستفاد من ديننا الحنيف أنْ ليس من مذاق الشارع المقدس أن يكون المسلم تحت إمرة الكافر، بل الفطرة السليمة توجب الدفاع عن الأوطان من الكفار اللئام فالدفاع من الأحكام الفطرية وحكم العقل وبناء العقلاء على ذلك.
المبحث الثاني: فضيلة الدفاع:-
الدفاع افضل أقسام الجهاد، وأعظم الوسائل إلى رب العباد، ومن قتل يقف مع الشهداء يوم المحشر، وهو الشهيد الأكبر، فالسعيد من قُتل بين الصفوف، فإنه عند الله تعالى بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين (ع) يوم الطفوف، قد زُخرفتْ لهم الجنان وانتظرتهم الحور والولدان، وهم في القيامة أضياف سيد الأنس والجان.
فَمَنْ علِمَ بأنه يجب عليه الدفاع فليشهر سلاحه ويرفع راية الله اكبر، وينادي بأعلى صوته: أين غيرة الإسلام؟ أين الطالبون بحفظ شريعة سيد الأنام؟ أين من باعوا أنفسهم بالجنان والحور والولدان في رضا الرّب الرؤوف الرحمن؟ أين المدافعون عن شريعة سيد الأمم؟.
أولًا: المدافع المقتول شهيد
إن المقتول في ساحات الوغى دفاعاً عن الوطن ينطبق عليه عنوان الشهيد ومصداق له، ويجري عليه حكم الشهيد في الدنيا والآخرة. فيثبت له في الآخرة مع خلوص النية ما أعده الله للشهداء من الدرجات الرفيعة، والمراتب العلية، والمساكن الطيبة، والحياة الدائمة، والرضوان الذي هو أعلى من كل مكرمة. ويسقط في الدنيا وجوب تغسيله وتحنيطه وتكفينه، فيدفن في ثيابه مع الدماء، ولا ينزع شيء منه سواء ما كان من الفراء والجلود فيما إذا قتل في ساحة المعركة وأدركه المسلمون ولم يكن به رمق الحياة.
ثانياً: الحث على طلب الشهادة
إن الله تعالى أعد للشهداء المكانة العظيمة والدرجات الرفيعة، وقد بيّن القرآن الكريم إن الشهداء إحياء عند ربهم ينعمون بالحياة الطيبة والرزق الكريم في جوار ربهم وكنفه وفي جناته وجنانه. قال الله عز وجل: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [٢])، فرحين بما أعطاهم الله من فضل زائد عما استحقوه بعملهم ويستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين تركوهم في ميدان الجهاد، بأنهم سيلحقون بهم، ويرون النعيم المعّد لهم في حياة عند الله لا خوف عليهم فيها ولا يحزنون.
وقال الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) [٣]) أي لا تشعرون ولا تدركون كنهها، لأنها ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر بل هي حياة غيبية برزخية تمتاز بها أرواح الشهداء على أرواح سائر الناس.
كما بيّن الرسول الأعظم (ص) في أحاديث عديدة إن الشهيد يود الرجوع إلى الدنيا ليستشهد مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة، فروي: (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وإن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى). ومنها (يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول يا ابن آدم كيف
[١] سورة البقرة/ ١٢٠
[٢] سورة آل عمران/ ١٦٩
[٣] سورة البقرة/ ١٥٤.