إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - المثال الأول غرور الكفار
في ذكره،لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كسر القدر الذي منع من إفشائه .فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه و إذا عرف نفسه فقد عرف ربه و إذا عرف نفسه و ربه عرف أنه أمر ربانى بطبعه و فطرته،و أنه في العالم الجسماني غريب،و أن هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته،بل بأمر عارض غريب من ذاته .و ذلك العارض الغريب ورد على آدم صلّى اللّه عليه و سلم،و عبر عنه بالمعصية،و هي التي حطته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته،فإنها في جوار الرب تعالى،و أنه أمر ربانى،و حنينه إلى جوار الرب تعالى له طبعى ذاتى،إلا أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته، فينسى عند ذلك نفسه و ربه و مهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه،إذ قيل له وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ [١]أي الخارجون عن مقتضى طبعهم و مظنة استحقاقهم.يقال فسقت الرطبة عن كمامها إذا خرجت عن معدنها الفطري و هذه إشارة إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العارفون،و تشمئز من سماع ألفاظها القاصرون فإنها تضرّ بهم كما تضر رياح الورد بالجعل،و تبهر أعينهم الضعيفة كما تبهر الشمس أبصار الخفافيش.و انفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى معرفة و ولاية،و يسمى صاحبه وليا و عارفا و هي مبادى مقامات الأنبياء،و آخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء و لنرجع إلى الغرض المطلوب.فالمقصود أن غرور الشيطان بأن الآخرة شك،يدفع إما بيقين تقليدي،و إما ببصيرة و مشاهدة من جهة الباطن.و المؤمنون بألسنتهم و بعقائدهم إذا ضيعوا أوامر اللّه تعالى،و هجروا الأعمال الصالحة،و لابسوا الشهوات و المعاصي،فهم مشاركون للكفار في هذا الغرور ،لأنهم آثروا الحياء الدنيا على الآخرة .نعم أمرهم أخف لأن أصل الإيمان يعصمهم عن عقاب الأبد،فيخرجون من النار و لو بعد حين،و لكنهم أيضا من المغرورين،فإنهم اعترفوا بأن الآخرة خير من الدنيا،و لكنهم مالوا إلى الدنيا و آثروها،و مجرد الإيمان لا يكفي للفوز.قال تعالى وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ [٢]و قال تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٣]ثم قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم
[١] الحشر:١٩
[٢] طه:٨٢
[٣] الأعراف:٥٦