إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٣ - اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر و كبائر
و لا يبعد تنزيلها على شيء من هذه الاحتمالات.نعم من المهمات أن تعلم معنى قول اللّه تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ [١]و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم«الصّلوات كفّارات لما بينهنّ إلاّ الكبائر»فإن هذا إثبات حكم الكبائر و الحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها،و إلى ما يعلم أنها معدودة في الصغائر،و إلى ما يشك فيه فلا يدرى حكمه :فالطمع في معرفة حد حاصر،أو عدد جامع مانع ،طلب لما لا يمكن.فإن ذلك لا يمكن إلا بالسماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،بأن يقول إنى أردت بالكبائر عشرا،أو خمسا،و يفصلها،فإن لم يرد هذا،بل ورد في بعض الألفاظ[١]ثلاث من الكبائر،و في بعضها[٢]سبع من الكبائر.
ثم ورد أن السبتين بالسبة الواحدة من الكبائر،و هو خارج عن السبع و الثلاث،علم أنه لم يقصد به العدد بما يحصر.فكيف يطمع في عدد ما لم يعده الشرع!و ربما قصد الشرع إبهامه ليكون العباد منه على وجل،كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها.نعم لنا سبيل كلى يمكننا أن نعرف به أجناس الكبائر و أنواعها بالتحقيق.و أما أعيانها فنعرفها بالظن و التقريب و نعرف أيضا أكبر الكبائر.فأما أصغر الصغائر فلا سبيل إلى معرفته و بيانه أنا نعلم بشواهد الشرع و أنوار البصائر جميعا،أن مقصود الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار اللّه تعالى،و سعادة لقائه.و أنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته،و كتبه و رسله،و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ [٢]أي ليكونوا عبيدا لي .و لا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربه بالربوبية، و نفسه بالعبودية.و لا بد أن يعرف نفسه و ربه.فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء.
و لكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا،و هو المعنىّ بقوله عليه السّلام[٣]«الدّنيا مزرعة الآخرة»
[١] النساء:٣١
[٢] الذاريات:٥٦