إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤ - و فرقة أخرى من عوام الخلق و أرباب الأموال و الفقراء
إذ فيها إشارات إلى وصف النفس،و إلى وصف جلال اللّه.و يحصل به التنبه على الجملة،و كمال المعرفة وراءه،فإن هذا من علوم المكاشفة،و لم نطنب في هذا الكتاب إلا في علوم المعاملة و أما معرفة الدنيا و الآخرة،فيستعين عليها بما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا و كتاب ذكر الموت،ليتبين له أن لا نسبة للدنيا إلى الآخرة.فإذا عرف نفسه و ربه،و عرف الدنيا و الآخرة،ثار من قلبه بمعرفة اللّه حب اللّه،و بمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها،و بمعرفة الدنيا الرغبة عنها.و يصير أهم أموره ما يوصله إلى اللّه تعالى،و ينفعه في الآخرة.و إذا غلبت هذه الإرادة على قلبه،صحت نيته في الأمور كلها.فإن أكل مثلا،أو اشتغل بقضاء الحاجة،كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة،و صحت نيته،و اندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض،و النزوع إلى الدنيا،و الجاه،و المال ،فإن ذلك هو المفسد للنية.و ما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة،و هوى نفسه أحب إليه من رضا اللّه تعالى،فلا يمكنه الخلاص من الغرور .
فإذا غلب حب اللّه على قلبه بمعرفته باللّه و بنفسه،الصادرة عن كمال عقله،فيحتاج إلى المعنى الثالث:و هو العلم،أعنى العلم بمعرفة كيفية سلوك الطريق إلى اللّه،و العلم بما يقرّبه من اللّه و ما يبعده عنه،و العلم بآفات الطريق و عقباته و غوائله.و جميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدين،فيعرف من ربع العبادات شروطها فيراعيها،و آفاتها فيتقيها،و من ربع العادات أسرار المعايش و ما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع،و ما هو مستغن عنه فيعرض عنه.و من ربع المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق اللّه ،فإن المانع من اللّه الصفات المذمومة في الخلق،فيعلم المذموم و يعلم طريق علاجه.و يعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد و أن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها.فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور.و أصل ذلك كله أن يغلب حب اللّه على القلب،و يسقط حب الدنيا منه،حتى تقوى به الإرادة،و تصح به النية.
و لا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها.
فإن قلت:فإذا فعل جميع ذلك،فما الذي يخاف عليه؟فأقول يخاف عليه أن يخدعه الشيطان،و يدعوه إلى نصح الخلق،و نشر العلم،و دعوة الناس إلى ما عرفه من دين اللّه.