مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٧٠٣ - المعنى
(١) - الموت فهو سقيم و إن لم يكن به سقم في الحال و ما روي أن إبراهيم (ع) كذب ثلاث كذبات قوله «إِنِّي سَقِيمٌ» و قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا و قوله في سارة أنها أختي فيمكن أن يحمل أيضا على المعاريض أي سأسقم و فعله كبيرهم على ما ذكرناه في موضعه و سارة أخته في الدين و قد ورد في الخبر إن في المعاريض لمندوحة عن الكذبو المعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره و يفهم عنه غير ما يقصده و لا يكون ذلك كذبا فإن الكذب قبيح بعينه و لا يجوز ذلك على الأنبياء لأنه يرفع الثقة بقولهم جل أمناء الله تعالى و أصفياؤه عن ذلك و قوله «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» إخبار عن قومه أنهم لما سمعوا قوله «إِنِّي سَقِيمٌ» تركوه و أعرضوا عنه و خرجوا إلى عيدهم} «فَرََاغَ إِلىََ آلِهَتِهِمْ» معناه فمال إلى أصنامهم التي كانوا يدعونها آلهة «فَقََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ» خاطبها و إن كانت جمادا على وجه التهجين لعابديها و تنبيههم على أن من لا يتكلم و لا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها و كانوا صنعوا للأصنام طعاما تقربا إليها و تبركا بها فلما لم تجيبوه قال} «مََا لَكُمْ لاََ تَنْطِقُونَ» زيادة في تهجين عابديها كأنهم حاضرون لها أي ما لكم لا تجيبون و في هذا تنبيه على أنها جماد لا تأكل و لا تنطق فهي أخس الأشياء و أقلها «فَرََاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ» أي فمال على الأصنام يضربها و يكسرها باليد اليمني لأنها أقوى على العمل عن الربيع بن أنس و قيل المراد باليمين القوة كما في قوله:
"تلقاها عرابة باليمين"
عن الفراء و هو قول السدي و قيل معناه بالقسم الذي سبق منه و هو قوله وَ تَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنََامَكُمْ «فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ» أي أقبلوا بعد الفراغ من عيدهم إلى إبراهيم يسرعون عن الحسن و ابن زيد و قيل يزفون زفيف النعام و هو حالة بين المشي و العدو عن مجاهد و في هذا دليل أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم فقصدوه مسرعين و حملوه إلى بيت أصنامهم و قالوا له أنت فعلت هذا بإلهتنا فأجابهم على وجه الحجاج عليهم بأن} «قََالَ أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ» فهو استفهام معناه الإنكار و التوبيخ أي كيف يصح أن يعبد الإنسان ما يعمله بيده فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم} «وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ» أي و خلق ما علمتم من الأصنام فكيف تدعون عبادته و تعبدون معمولكم و هذا كما يقال فلان يعمل الحصير و هذا الباب من عمل فلان النجار قال الحسن معناه و خلق أصل الحجارة التي تعملون منها الأصنام و هذا يجري مجرى قوله تَلْقَفُ مََا يَأْفِكُونَ* و قوله تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا في أنه أراد المنحوت من الجسم هنا دون العرض الذي هو النحت كما أراد هناك المأفوك فيه و المصنوع فيه من الحبال و العصي دون العرض الذي هو فعلهم فليس لأهل الجبر تعلق بهذه الآية في الدلالة على أن الله سبحانه خالق لأفعال العباد لأن من المعلوم أن الكفار لم يعبدوا نحتهم