الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٤١ - فصل فيه بيان سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة
العذرة ، وقال بعضهم : بل حرمت لعينها ، وكما تأول قدامة في شرب الخمر ، قول الله تعالى : * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا فعلى هذه الوجوه ترك مالك ومن كان قبله ما تركوا من الأحاديث والآيات ، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم ، فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك ، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء ، فهي وجوه عشرة كما ذكرنا :
أحدها : ألا يبلغ العالم الخبر فيفتي فيه بنص آخر بلغه ، كما قال عمر في خبر الاستئذان : خفي علي هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق بالأسواق .
وقد أوردناه بإسناده من طريق البخاري في غير هذا المكان .
وثانيها : أن يقع في نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ ، وأنه وهم كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس ، وكفعل عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله ، وهذا ظن لا معنى له ، إن أطلق بطلت الاخبار كلها وإن خص به مكان دون مكان كان تحكما بالباطل . وثالثها : أن يقع في نفسه أنه منسوخ كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات . ورابعها : أن يغلب نصا على نص بأنه أحوط وهذا لا معنى له ، إذ لا يوجبه قرآن ولا سنة . وخامسها : أن يغلب نصا على نص لكثرة العاملين به أو لجلالتهم ، وهذا لا معنى له لما قد أفدناه قبلا في ترجيح الاخبار .
وسادسها : أن يغلب نصا لم يصح على نص صحيح ، وهو لا يعلم بفساد الذي غلب . وسابعها : أن يخصص عموما بظنه . وثامنها : أن يأخذ بعموم لم يجب الاخذ به ، ويترك الذي يثبت تخصيصه . وتاسعها : أن يتأول في الخبر غير ظاهره بغير برهان لعله ظنها بغير برهان . وعاشرها : أن يترك نصا صحيحا لقول صاحب بلغه ، فيظن أنه لم يترك ذلك النص إلا لعلم كان عنده . فهذه ظنون توجب الاختلاف الذي سبق في علم الله عز وجل ، أنه سيكون ، ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنه آمين .
ثم كثرت الرحل إلى الآفاق ، وتداخل الناس والتقوا ، وانتدب أقوام لجمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم وضمه وتقييده ، ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شئ منه ، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأول في الحديث ، وعرف الصحيح من السقيم ، وزيف الاجتهاد