الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٨٢
حتى رفعوا عثمان الى مراتب عالية جداً، مما اضطر معاوية الى كبح جماحهم ودعوتهم الى اختلاق فضائل للصحابة عامة وللشيخين خاصة، فلما بدأوا بذلك تبين أنهم لا يقدرون أن يضاهوا بها مناقب عثمان إلاّ بالمبالغة والغلو في الشيخين - مما سوف يتبين لنا- ومن المضحك حقاً أن هؤلاء الوضاعين أو بعضهم لم يكن على إطلاع واسع على الحديث النبوي الشريف والسنّة النبوية، فأوقعوا أنفسهم في تناقضات غريبة، فمن ذلك مثلا ما تعارف عليه الجمهور من أن عثمان بن عفان كان يحيي الليل بقراءة القرآن في ركعة واحدة! والأخبار في ذلك مستفيضة يرسلها البعض إرسال المسلّمات، فقد أفرد ابن سعد في ترجمة عثمان فصلا بعنوان (ذكر أنه كان يقرأ القرآن في ركعة)، أورد فيها روايات تنسب الى ابن سيرين وعبدالرحمان بن عثمان، وعطاء بن أبي رياح، وامرأة عثمان نائلة بنت الفرافصة، نذكر منها ما أورده عن إبراهيم بن عبدالرحمان بن عثمان قال: قمتُ خلف المقام وأنا اُريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فاذا رجل يغمزني فلم ألتفت، ثم غمزني فنظرت فاذا عثمان بن عفان، فتنحيتُ فتقدّم فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف!
وعن إبن سيرين، قال: قالت امرأة عثمان حين قُتل عثمان: لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كلّه بالقرآن في ركعة![١]
لكن السنّة النبوية هي خلاف عمل عثمان، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يقرأ القرآن كله في كل ليلة ولا في كل يوم وليلة، وقد أخرج ابن سعد عن عائشة، قالت: كان لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث[٢].
ولقد استعظم الصحابة أن يقرأ أحدهم ثلث القرآن في الليلة الواحدة
[١] الطبقات الكبرى ٣: ٥٥ ترجمة عثمان بن عفان.
[٢] الطبقات ١: ٢٨٤ باب صفة قراءته (ص) في صلاته وغيرها وحسن صوته (ص).