سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥ - في بعثته- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و بدء الوحي
الصادقة في النوم، و كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- و هو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله و يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق و هو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال:
اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال:
«زمّلوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- و أخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا و اللّه لا يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم و تقري الضيف.
و تحمل الكلّ، و تكسب المعدوم، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، و كان أمرا قد تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب. و كان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ما ذا ترى فأخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أو مخرجيّ هم؟» فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي و فتر الوحي فترة. حتى حزن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول اللّه حقا فيسكن لذلك جأشه، و تقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري.
قال ابن شهاب: و أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال- و هو يحدث عن فترة الوحي- فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي و تتابع. ثم قال البخاري تابعه عبد اللّه بن يوسف، و أبو صالح، يعني عن الليث، و تابعه هلال بن داود عن الزهري، و قال يونس و معمر:- بوادره. و هذا الحديث قد رواه الإمام البخاري (رحمه اللّه) في كتابه في مواضع منه.