سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨ - كفالته (صلّى اللّه عليه و سلم)
و قد مات جده عبد المطلب و عمره حينئذ ثماني سنوات و شهران و عشرة أيام، و قبل أن يموت عهد بكفالته إلى عمه أبي طالب و قد استسقى أبو طالب بوجه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقد أخرج ابن عساكر قال: «قدمت مكة، و هم في قحط، فقال قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، و أجدب العيال، فهلم فاستعد! فخرج أبو طالب، و معه غلام، كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، حوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، و لاذ بإصبعه الغلام، و ما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا و ههنا، و أغدق و اغدودق، و انفجر الوادي، و أخصب النادي و البادي و إلى هذا أشار أبو طالب حين قال:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
و نهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، و ضمه إلى ولده و قدمه عليهم، و ظل فوقه أربعين سنة يعز جانبه و يبسط عليه حمايته، و يناضل الخصوم من أجله.
و قد تهدى ذلك جليا عند ما بلغ الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) اثنتي عشرة سنة، و ارتحل به عمه أبو طالب تاجرا إلى الشام، فإذا ما وصل به إلى بصرى، و بها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له، و كان إليه علم أهل النصرانية، إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى- و كانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم و لا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا و ذلك فيما يزعمون عن شيء رآه و هو في صومعته. يزعمون أنه رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الركب حتى أقبل و غمامة تظلله من بين القوم. ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة و تهصرت أغصان الشجرة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته و قد أمر بطعام فصنع. ثم أرسل إليهم. فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم و صغيركم، و عبدكم و حركم. فقال له رجل منهم و اللّه يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم. ما كنت تصنع هذا بنا و قد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول و لكنكم ضيف و قد أحببت أن أكرمكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه و تخلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف و يجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيري ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام و هو أحدثنا سنا، فتخلف في رحالنا. قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال فقال رجل من قريش مع القوم، و اللات و العزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه و أجلسه مع القوم فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا و ينظر إلى أشياء من جسده، و قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا