سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣ - خامسا الفوارق العميقة بين النبوة و العبقرية
العميقة التي تتميز بها شخصية الرسول بوصفه نبيا مرسلا أو تلك التي هداه إليها الإسلام، و أن تميزه هذا يختلف عن البطولات و العبقريات البشرية الأخرى.
و من هنا يبدو النقص في وزن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالعبقريات البشرية الأخرى.
كذلك فإن هذا التميز الذي عرفت به شخصية محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) «نبيا و مرسلا و هاديا».
تختلف في المقارنة بينه و بين الأبطال العالميين الآخرين من ناحية كما أنّ شخصيته تختلف بينه و بين أبي بكر و عمر و غيرهم.
لقد تحدث العقاد عن الجانب المادي في شخصية الرسول و حجب تماما الجانب الروحي المتصل بالوحي و أظهره كمجرد إنسان يعمل بمواهب ممتازة و ملكات خاصة و هكذا فإن (العبقرية) التي حاول العقاد أن يقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من خلالها، كان حجمها ضيقا و مجالها ناقصا، و أخطر ما أخذ عليه هو أنه لم يظهر أثر الإسلام في بناء شخصية الرسول و هو العامل الأكبر في حياته و تصرفاته على النحو الذي وصفته السيدة عائشة رضي اللّه عنها بقولها (كان خلقه القرآن) هذه الربانية الخالصة التي تعلو على طوابع البشر. و قد وصفها القرآن في قوله تعالى:
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.
كذلك فقد تحدث عن افتتان المسلمين بشخص الرسول و انبهارهم بمواهبه و اعتبر إعجابهم به سببا وحيدا لدخولهم في الإسلام و عزا اجتماع الصداقات المتنوعة حوله بأنه كان نتيجة لمزاياه النفسية، و بذلك أنكر أثر عظمة الإسلام نفسه في إيمان أصحاب النبي، و ليس من شك أنّ إعجاب المسلمين بالرسول له أهميته في مرحلة الدخول في الإسلام و لكن تقدير المسلمين للإسلام هو العامل الذي ثبتهم بعد ذلك على الإيمان بالإسلام و حفزهم للدفاع عنه.
إنّ الأستاذ العقاد و قد حارب مذهب التفسير المادي للتاريخ الذي قدمه ماركس و الشيوعية حربا لا هوادة لها خضع مع الأسف للمذهب النفسي المادي الذي لا يعترف بالآثار المعنوية المترتبة على الإيمان و العقيدة في بناء الشخصية كما تجاهل جانب الغيبيات و لم يفهم النبوة فهما صحيحا، و لذلك فإنّ الجانب الروحي القادر على العطاء في بناء الشخصيات و الذي صنع شخصية رسول الإسلام تراه باهتا غائما عنده، و ذلك لأنه اعتمد في دراسة الشخصيات و البطولات على مذاهب غربية تتجاهل النبوة و الوحي و الغيبيات و المعجزات، و لا تجعل هذه العوامل الروحية و المعنوية أي وزن و أي اعتبار و إنما قامت على جوانب الحس و تركيب الإنسان المادي و الوراثيات و غيرها.