جوامع السيرة - ط العلميه - ابن حزم - الصفحة ١٦٣ - غزوة بنى المصطلق
و لما علم المسلمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تزوج جويرية أعتقوا كل ما كان فى أيديهم من بنى المصطلق، كرامة لمصاهرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلقد أطلق بسببها مائة أهل بيت من قومها.
ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم بأزيد من عامين: الوليد بن عقبة بن أبى معيط مصدقا [١]، فخرجوا ليتلقوه، ففزع، فرجع و أخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنهم هموا بقتله، فتكلم الناس فى غزوهم، ثم أتى وافدهم منكرا لرجوع مصدقهم، قبل أن يلقاهم، معرفين أنهم إنما خرجوا متلقين له مكرمين لوروده، فنزلت فى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [٢]
و فى مرجع الناس من غزوة بنى المصطلق قال أهل الإفك ما قالوا، و أنزل اللّه تعالى فى ذلك براءة عائشة أم المؤمنين (رضوان اللّه عليها) ما أنزل [٣].
و قد روينا من طرق صحاح: أن سعد بن معاذ كانت له فى شيء من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة، و هذا عندنا و هم، لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح قريظة، بلا شك، و فتح بنى قريظة فى آخر ذى القعدة من السنة الرابعة من الهجرة، و غزوة بنى المصطلق فى شعبان من السنة السادسة، بعد سنة و ثمانية أشهر من موت سعد، و كانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة.
و ذكر ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد اللّه بن عبد اللّه و غيره: أن المقاول لسعد بن عبادة إنما كان أسيد بن الحضير. و هذا هو الصحيح، و الوهم لم يعر منه أحد من بنى آدم، إلا من عصم اللّه تعالى.
[١] المصدق: العامل الذي يعين لجمع الزكاة من أصحابها.
[٢] سورة الحجرات الآية ٦.
[٣] راجع الآيات ١١- ١٥ من سورة النور و فيها براءة أم المؤمنين عائشة.