جوامع السيرة - ط العلميه - ابن حزم - الصفحة ١٥٣ - غزوة الخندق
لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما رأوا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمسكوا عما كانوا يقولون. فنزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على بئر من آبارهم يقال لها «بئر أنا» و قيل «بئر أنى»، و حاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسا و عشرين ليلة، و عرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، و هى: إما الإسلام؛ و إما قتل ذراريهم و نسائهم ثم القتال حتى يموتوا؛ و إما تبيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة السبت- ظنا منه أن المسلمين قد أمنوا منهم. و أبو كل ذلك، و أرسلوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر- أخا بنى عمرو بن عوف، و كانوا حلفاء الأوس- فأرسله (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم، فلما أتاهم اجتمع إليه رجالهم و النساء و الصبيان، فقالوا له: يا أبا لبابة، أ ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. و أشار إليهم أنه الذبح. ثم ندم أبو لبابة من وقته و علم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه و لم يرجع إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد، و قال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب اللّه عز و جل على. و عاهد اللّه تعالى ألا يدخل أرض بنى قريظة أبدا، و لا يكون بأرض خان اللّه و رسوله فيها و بلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: لو أتانى لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب اللّه عليه. فنزلت التوبة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى أمر لبابة [١]، فتولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إطلاقه بيده، و قيل: إنه رضوان اللّه تعالى عليه أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحل إلا للصلاة.
و نزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و أسلم ليلة نزولهم ثعلبة و أسيد ابنا سعية، و أسد بن عبيد، و هم نفر من هدل، من بنى عم قريظة و النضير.
[١] و الآية التي تيب فيها على أبى لبابة هى: (وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة التوبة الآية ١٠٢)