تاويل مشكل القران - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧٣
مستأسدا ذبّانه في غيطل ... يقلن للرّائد: أعشبت انزل
ولم يقل الذباب شيئا من هذا، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على المرعى، لأنه لا يجتمع إلا في عشب، فكأنه قال للرائد: هذا عشب فأنزل.
وقال آخر يصف ذئبا [١] :
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع
يريد: أنه يشتمم ثم يتّبع الرائحة بخطم كأنه الفأس التي يكسر بها الصخر، فجعل تشممه استخبارا.
قال أبو محمد:
وقد تبين لمن قد عرف اللغة، أن القول يقع فيه المجاز، فيقال: قال الحائط فمال، وقل برأسك إليّ، أي أمله، وقالت الناقة، وقال البعير.
ولا يقال في مثل هذا المعنى: تكلم، ولا يعقل الكلام إلا بالنطق بعينه، خلا موضع واحد وهو أن تتبين في شيء من الموات عبرة وموعظة فتقول خبّر وتكلم وذكّر، لأنه دلّك معنى فيه، فكأنه كلمك، وقال الشاعر [٢] :
وعظتك أجداث صمت ... ونعتك ألسنة خفت
وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت
وقال الكميت يمدح رجلا [٣] :
أخبرت عن فعاله الأرض واستن ... طق منها اليباب والمعمورا
العروس (عشب) ، (أسد) ، (مرع) ، وكتاب العين ١/ ٢٦٢، ٧/ ٢٨٦، ومقاييس اللغة ٤/ ٣٢٣، وأساس البلاغة (عشب) ، (أسد) ، والطرائق الأدبية ص ٥٨، ولرؤبة في كتاب العين ١/ ١٢٨، وليس في ديوانه.
[١] يروى الشطر الأول من الرجز:
يستمخر الريح إذا لم يسمع والرجز بلا نسبة في لسان العرب (مخر) ، (قرع) ، وتاج العروس (مخر) ، (قرع) ، وديوان الأدب ١/ ٣١١.
[٢] الأبيات من المتقارب، وهي لأبي العتاهية في ديوانه ص ٥٢، وعيون الأخبار ٢/ ٣٠٦.
[٣] البيت من الخفيف، وهو في ديوان الكميت ١/ ٢٠٣، وأساس البلاغة (يبب) ، والبيت بلا نسبة في مقاييس اللغة ٦/ ١٥١.