في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٧٣٠
قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور:
«أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا بل من عند الله» وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. فو الله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. وأنزل الله: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ- إلى قوله- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» .
قال كعب: فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه. فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال «سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ- إلى قوله- الْفاسِقِينَ» .
هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا- كما رواها أحدهم كعب بن مالك- وفي كل فقرة منها عبرة، وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي، ومتانة بنائها، وصفاء عناصرها، ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة، ولتكاليف الدعوة، ولقيمة الأوامر، ولضرورة الطاعة.
فهذا كعب بن مالك- وزميلاه- يتخلفون عن ركب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ساعة العسرة.
يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة، فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب. ولكن كعباً ما يلبث بعد خروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يحس ما فعل، يشعره به كل ما حوله: «فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله» - يعني بمن عذر الله الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون.
فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الغزوة البعيدة الشقة.
لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم النفاق، وإلا العاجزون الذين عذرهم الله. أما القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة فكانت أقوى روحاً من العسرة، وأصلب عوداً من الشدة..
هذه واحدة.
والثانية هي التقوى. التقوى التي تلجئ المخطئ إلى الصدق والإقرار. والأمر بعد ذلك لله: «فقلت:
يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلا. ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله أن يسخطك علي.
ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى من الله. والله ما كان لي عذر. والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك» .
فالله حاضر في ضمير المؤمن المخطئ. ومع حرصه البالغ على رضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-