في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٥٥١
فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم!» قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال! وروى الإمام أحمد- بإسناده- عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم- قال: لما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبا بكر وعمر وعلياً. فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال قلت: والله ما أرى رأي أبي بكر، ولكني أرى أن تمكني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل (ابن أبي طالب) فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم! .. فهوى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.. فلما كان من الغد- قال عمر- فغدوت إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وهما يبكيان. فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما! قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» إلى قوله: «فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً» فأحل لهم الغنائم ...
ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار اليماني.
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس- رضي الله عنه- قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس» فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للناس مثل ذلك. فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله عز وجل: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» ..
وقال الأعمش، عن عمر بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما تقولون في الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم.. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب. فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيه! فسكت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يرد عليهم شيئاً. ثم قام فدخل. فقال ناس:
يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم