في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٨١٩
لا يضطرب ولا يتزعزع اضطراب الكذب وتزعزع الافتراء. ولقد طاب المقام فترة لبني إسرائيل بعد تجارب طويلة، لا يذكرها السياق هنا لأنها ليست من مقاصده، وتمتعوا بطيبات من الرزق حلال، حتى فسقوا عن أمر الله فحرمت عليهم. والسياق لا يذكر هنا إلا اختلافهم بعد وفاق. اختلافهم في دينهم ودنياهم، لا على جهل ولكن بعد أن جاءهم العلم، وبسبب هذا العلم، واستخدامه في التأويلات الباطلة.
ولما كان المقام هنا مقام نصرة الإيمان وخذلان الطغيان، فإن السياق لا يطيل في عرض ما وقع بعد ذلك من بني إسرائيل، ولا يفصل خلافهم بعد ما جاءهم العلم. ولكن يطوي هذه الصفحة، ويكلها بما فيها لله في يوم القيامة:
«إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..
فيبقى للقصة جلالها، ويظل للمشهد الأخير تأثيره..
وهكذا ندرك لماذا يساق القصص القرآني، وكيف يساق في كل موضع من مواضعه. فليس هو مجرد حكايات تروى، ولكنه لمسات وإيحاءات مقدرة تقديراً.
بعد ذلك يجيء التعقيب على هذه الخاتمة لقصة موسى وقصة نوح من قبلها، يبدأ خطابا إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- تثبيتاً بما حدث للرسل قبله، وبياناً لعلة تكذيب قومه له، أن ليس ما ينقصهم هو الآيات والبينات، إنما هي سنة الله في المكذبين من قبلهم، وسنة الله في خلق الإنسان باستعداداته للخير والشر والهدى والضلال.. وفي الطريق يلم إلمامة سريعة بقصة يونس وإيمان قومه به بعد أن كاد العذاب ينزل بهم، فرد عنهم. لعل فيها حافزاً للمكذبين قبل فوات الأوان.. وينتهي بالخلاصة المستفادة من ذلك القصص كله.
أن سنة الله التي مضت في الأولين ماضيه في الآخرين: عذاب وهلاك للمكذبين. ونجاة وخلاص للرسل ومن معهم من المؤمنين. حقاً كتبه الله على نفسه. وجعله سنة ماضية لا تتخلف ولا تحيد:
٩٤ «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ. إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ! وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. قُلِ: انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ؟ قُلْ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
لقد كان آخر الحديث عن بني إسرائيل، وهم من أهل الكتاب، وهم يعرفون قصة نوح مع قومه وقصة موسى مع فرعون، يقرأونها في كتابهم. فهنا يتوجه الخطاب إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- إن كان في شك مما أنزل إليه، من هذا القصص أو غيره، فليسأل الذين يقرأون الكتاب من قبله. فلديهم عنه علم، مما يقرأون:
«فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ» .