في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٧٣٢
ويقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة» ..
هكذا كانت الأحداث تقدر وتقوّم في هذه الجماعة. وهكذا كانت توبة مقبولة تستقبل وتعظم كانت بشرى يركض بها الفارس إلى صاحبها، ويهتف بها راكب الجبل ليكون أسرع بشارة. وكانت التهنئة بها والاحتفاء بصاحبها جميلاً لا ينساه الطريد الذي رد إلى الجماعة واتصلت بها وشائجه، فهو في يوم كما قال عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قالها- صلى الله عليه وسلم- وهو يبرق وجهه من السرور، كما قال كعب، فهذا القلب الكبير الكريم الرحيم قد فاض به السرور أن تقبل الله توبة ثلاثة من أصحابه وردهم مكرمين إلى جماعته.
تلك هي قصة الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب الله عليهم، وهذه هي بعض لمحات من دلالتها الواضحة على حياة الجماعة الإسلامية، وعلى القيم التي كانت تعيش بها.
والقصة كما رواها أحد أصحابها، تقرب إلى نفوسنا معنى الآية:
«حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ..» ..
«ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» ..
فما الأرض؟ إن هي إلا بأهلها. إن هي إلا بالقيم السائدة فيها. إن هي إلا بالوشائج والعلاقات بين أصحابها.
فالتعبير صادق في مدلوله الواقعي فوق صدقه في جماله الفني، الذي يرسم هذه الأرض تضيق بالثلاثة المخلفين، وتتقاصر أطرافها، وتنكمش رقعتها، فهم منها في حرج وضيق.
«وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ» ..
فكأنما هي وعاء لهم تضيق بهم ولا تسعهم، وتضغطهم فيتكرب أنفاسهم.
«وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ» ..
وليس هناك ملجأ من الله لأحد، وهو آخذ بأقطار الأرض والسماوات. ولكن ذكر هذه الحقيقة هنا في هذا الجو المكروب يخلع على المشهد ظلاً من الكربة واليأس والضيق، لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى الله مفرج الكروب..
ثم يجيء الفرج.. «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .
تاب عليهم من هذا الذنب الخاص، ليتوبوا توبة عامة عن كل ما مضى، ولينيبوا إلى الله إنابة كاملة في كل ما سيأتي. ومصداق هذا في قول كعب: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي إلا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فو الله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى. والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي.