في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٧٢٥
الأعراب من حولها. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب ابن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية (وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم) وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي.. وضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عسكره على «ثنية الوداع» وضرب عبد الله بن أبي- رأس النفاق- عسكره على حدة، أسفل منه، قال ابن إسحاق: (وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين) .. ولكن الروايات الأخرى تقول: إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة.. فلما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سائراً، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه» حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» . وتلوّم أبو ذر على بعيره (أي انتظر عليه) ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ماشيا. ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «كن أبا ذر» فلما تأمله القوم قالوا:
يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» .
ثم إن أبا خيثمة رجع- بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً- إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه (أي في حديقته) قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء. وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الضحَّ (أي الشمس) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهيئا لي زاداً. ففعلتا. ثم قدم ناضحة فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك.. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ففعل. حتى إذا دنا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «كن أبا خيثمة» . فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أولى لك يا أبا خيثمة! [١] » . ثم أخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخبر. فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيرا، ودعا له بخير.
قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: «مُخشن بن حُمير» (قال ابن هشام: ويقال: مخشى) يشيرون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر
[١] وهي كلمة تقال للوعيد..