في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٧٠١
فهو مضطر لأن ينفق من ماله في الزكاة، وفي غزوات المسلمين تظاهراً بالإسلام، ليستمتع بمزايا الحياة في المجتمع المسلم ومداراة للمسلمين وهم أصحاب السلطان اليوم في الجزيرة! وهو يعد ما ينفقه غرامة وخسارة يؤديها كارهاً، لا مساعدة للغزاة المجاهدين، ولا حباً في انتصار الإسلام والمسلمين.
«وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ» ..
وينتظر متى تدور الدائرة على المسلمين، ويتمنى ألا يعودوا من غزاة سالمين! وهنا يعاجلهم السياق بدعاء من الله- سبحانه- عليهم ودعاء الله معناه وقوع مدلول الدعاء عليهم:
«عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» ..
كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم وتدور عليهم فلا تدعهم. وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه [١] .
«وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» .
والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم، وتخفيه ظواهرهم.. والله سميع لما يقولون عليم بما يظهرون وما يكتمون.
وهناك الفريق الآخر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان:
«وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ. أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ. سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
فهو الإيمان بالله واليوم الآخر باعث الإنفاق عند هذا الفريق، لا الخوف من الناس، ولا الملق للغالبين، ولا حساب الربح والخسارة في دنيا الناس! وهذا الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر يبتغي بما ينفق أن يكون قربى من الله ويتطلب صلوات الرسول..
أي دعواته.. الدالة على رضاه صلى الله عليه وسلم، المقبولة عند الله، وهو يدعو بها للمؤمنين بالله واليوم الآخر، المنفقين ابتغاء القربى من الله ورضاه.
لذلك يبادر السياق فيقرر لهم أنها قربى مقبولة عند الله:
«أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ» ..
ويبشرهم بحسن العاقبة وعداً من الله حقاً:
«سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ» ..
ويجسم الرحمة كأنها دار يدخلونها فتحتويهم وذلك في مقابل تجسيم «دائرة السوء» على الفريق الآخر، الذي يتخذ ما ينفق مغرماً، ويتربص بالمؤمنين الدوائر.
«إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
يقبل التوبة، ويتقبل النفقة، ويغفر ما كان من ذنب، ويرحم من يبتغون الرحمة..
وبعد تصنيف الأعراب على وجه الإجمال يستطرد السياق في تصنيف المجتمع كله.. حاضره وباديه..
[١] يراجع فصل: «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» .