في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٦٧٩
إنما كان في وقت فقره وعسرته. في وقت الرجاء والطمع. فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده، وتنكر لوعده، وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضاً عن الوفاء بما عاهد. فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سبباً في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق، ولقاء الله به.
والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله ولا تطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان، وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم، وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان، فلا يخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ما عند الناس ينفد وما عند الله باق. وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً، وهو آمن مغبته. فحتى لو فقد المال وافتقر منه، فإن له عوضاً أعظم عند الله.
فأما حين يقفر القلب من الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقه أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار.
والذي يعاهد الله ثم يخلف العهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد، لا يسلم قلبه من النفاق:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» [١] .
فلا جرم يعقب إخلاف العهد والكذب على الله نفاقاً دائماً في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية:
«فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ» ..
«أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» ؟
ألم يعلموا- وهم يدعون الإيمان- أن الله مطلع على السرائر، عالم بما يدور بينهم من أحاديث، يحسبونها سراً بينهم لأنهم يتناجون بها في خفية عن الناس؟ وأن الله يعلم الغيب الخافي المستور، فيعلم حقيقة النوايا في الصدور؟ ولقد كان من مقتضى علمهم بهذا، ألا يستخفوا عن الله بنية، وألا تحدثهم نفوسهم بإخلاف ما عاهدوا الله عليه، والكذب عليه في إعطاء العهود.
وقد وردت روايات عن سبب نزول الآيات الثلاث، نذكر منها رواية عن ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معان- بإسناده- عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ادع الله أن يرزقني مالاً. قال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى. فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت» قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اللهم ارزق ثعلبة مالاً» قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدود، فضاقت المدينة، فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ما فعل ثعلبة؟» فقالوا يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: «يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة!» وأنزل الله جل ثناؤه: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً» .. الآية.. ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلين
[١] ورد في الصحيحين.