في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٦٤١
وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك، بقوله تعالى:
«قاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟» .
و.. نعم.. قاتلهم الله! كيف يُصرفون عن الحق الواضح البسيط، إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدى عقل أو ضمير؟! ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد:
«اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ. وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» ..
وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة. من إزالة الشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب.. فهم إذن على دين الله.. فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين الله، بشهادة واقعهم- بعد شهادة اعتقادهم- وأنهم أمروا بأن يعبدوا الله وحده، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله- كما اتخذوا المسيح ابن مريم رباً- وأن هذا منهم شرك بالله.. تعالى الله عن شركهم.. فهم إذن ليسوا مؤمنين بالله اعتقاداً وتصورا كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعاً وعملاً.
وقبل أن نقول: كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، نحب أن نعرض الروايات الصحيحة التي تضمنت تفسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للآية. وهو فصل الخطاب.
الأحبار: جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها، وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود.. والرهبان: جمع راهب، وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة وهو عادة لا يتزوج، ولا يزاول الكسب، ولا يتكلف للمعاش.
وفي «الدر المنثور» .. روى الترمذي (وحسنه) وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم- رضي الله عنه- قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ في سورة براءة: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» فقال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه. وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» .
وفي تفسير ابن كثير: وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير- من طرق- عن عدي بن حاتم- رضي الله عنه- أنه لما بلغته دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقدم عدي المدينة- وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم- فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم ... » .