في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٤٦٣
فقسمه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين المسلمين عن بواء، يقول: على السواء.
قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أقبل بالأسارى، فرقهم في أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا» . فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، في الأسارى. قال: فقال أبو عزيز: مربي أخي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شد يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار- حين أقبلوا بي من بدر- فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها.
قال: فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها علي ما يمسها.
قال ابن هشام: وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر، بعد النضر بن الحارث، فلما قال أخوه مصعب ابن عمير لأبي اليسر- وهو الذي أسره- ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك.. فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم، ففدته بها.
قال ابن إسحاق: ثم بعثت قريش في فداء الأسرى.
في هذه الغزوة التي أجملنا عرضها بقدر المستطاع، نزلت سورة الأنفال.. نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة، وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة، وتكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة وبأسلوب القرآن المعجز..
وسيأتي تفصيل هذه المعاني في ثنايا استعراض النصوص القرآنية.. فأما الآن فنكتفي باستعراض الخطوط الأساسية في السورة:
إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق- عن عبادة ابن الصامت- رضي الله عنه، قال:
«فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن بواء (يقول: على السواء) .
هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة وعلى خط سيرها كذلك:
لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الواقعة التي جعلها الله فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة! ولقد أراد الله- سبحانه- أن يعلمهم، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما ...
أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها. فسمى يومها:
«يَوْمَ الْفُرْقانِ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..
وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما تم بتدبير الله وقدره، في كل خطوة وفي كل حركة، ليقضي من ورائه أمرا أراده، فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير، وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة، فكلها من فعل الله وتدبيره. إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله! وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير وما أراده الله لهم، وللبشرية