في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٤٢٥
ابن رافع. قال ابن مسعود: كان يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن. «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ..
وقال القرطبي في التفسير: قال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا قرأ القرآن في الصلاة أجابه من وراءه. إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث فنزل: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال القرطبي كذلك: وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صليتم؟
كم بقي؟ فأنزل الله تعالى: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا» .. وعن مجاهد أيضاً: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى: « ... لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» .
والذين يرون أنها خاصة بقراءة القرآن في الصلاة يستشهدون بما رواه ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص (يعني والقارئ يقرأ) فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، (يعني قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ) قال: فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما قال فأعدت، فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما! قال فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا» . قال ابن كثير وهو يروي هذا الخبر: وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا» قال: في الصلاة، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرازق، عن الثوري عن ليث عن مجاهد، قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم..
وبعضهم يرى أنها في الصلاة وفي الخطبة كذلك في الجمع والعيدين، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، ويزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب وعبد الله ابن المبارك، ولكن القرطبي قال: «وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها.
قاله ابن العربي والنقاش: والآية مكية ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة» .
وقال القرطبي في التفسير: قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أَن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء.
ونحن لا نرى في أسباب النزول التي وردت ما يخصص الآية بالصلاة المكتوبة وغير المكتوبة، ذلك أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. والأقرب أن يكون ذلك عاماً لا يخصصه شيء، فالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له- حيثما قرىء- هو الأليق بجلال هذا القول، وبجلال قائله سبحانه! وإذا قال الله أفلا يستمع الناس وينصتون؟! ثم رجاء الرحمة لهم: «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» .. ما الذي يخصصه بالصلاة؟ وحيثما قرىء القرآن، واستمعت له النفس وأنصتت، كان ذلك أرجى لأن تعي وتتأثر وتستجيب فكان ذلك أرجى أن ترحم في الدنيا والآخرة جميعاً..
إن الناس يخسرون الخسارة التي لا يعارضها شيء بالانصراف عن هذا القرآن.. وإن الآية الواحدة لتصنع أحياناً في النفس- حين تستمع لها وتنصت- أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والتكيف والرؤية