في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٣٩٥
إن ناموس التوحيد الذي يحكم هذا الوجود، واضح الأثر في شكل الكون، وتنسيقه، وتناسق أجزائه، وانتظام حركته، واطراد قوانينه، وتصرفه المطرد وفق هذه القوانين.. وأخيراً- حسب العلم القليل الذي وصل إليه البشر- وحدة الجوهر الذي تتألف منه ذراته، وهو الإشعاع الذي تنتهي إليه المواد جميعاً عند تحطيم ذراتها وإطلاق شحناتها..
ويوماً بعد يوم يكشف البشر أطرافاً من ناموس الوحدة في طبيعة هذا الكون، وطبيعة قوانينه التي تحكم تصرفاته- في غير آلية حتمية ولكن بقدر من الله مطرد متجدد وفق مشيئة الله الطليقة- ولكننا نحن لا نعتمد على هذا الذي يكشفه علم البشر الظني- الذي لا يمكن أن يكون يقينياً بحكم وسائله البشرية- في تقرير هذا الناموس. إنما نحن نستأنس به مجرد استئناس. واعتمادنا الأول في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا الخالق العليم بما خلق. والقرآن الكريم لا يدع مجالاً للشك في أن الناموس الذي يحكم هذا الكون هو ناموس الوحدة، الذي أنشأته المشيئة الواحدة للخالق الواحد سبحانه. كما أنه لا يدع مجالاً للشك في عبودية هذا الكون لربه، واعترافه بوحدانيته، وعبادته له بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعرف عنها إلا ما يخبرنا به وما نراه من آثارها في انتظامه ودأبه واطراده [١] .
هذا الناموس الذي يصرف الكون كله- بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة- سارٍ كذلك في كيان الإنسان- بوصفه من كائنات هذا الكون- مستقر في فطرته، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به فهو مدرك بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرف وفقه، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها، بدلاً من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم.
هذا الناموس- بذاته- هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها. مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، ذي المشيئة الواحدة، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها- سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار- لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد، وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد أو يقول: إنني خرجت إلى هذا الوجود، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد إنما ضل آبائي فضللت فهم المسئولون وحدهم ولست بالمسئول! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة:
«أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟» .
ولكن الله- سبحانه- رحمة منه بعباده، لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أُضلوا، وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف- كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بفعل شياطين الجن والإنس الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف! ..
رحمة من الله بعباده قدر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به حتى يرسل إليهم الرسل، ويفصل لهم الآيات، لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف،
[١] يراجع فصل: «حقيقة الكون» في المصدر السابق.