تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٠١
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: ١٦] قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ الْبِكْرَانِ غَيْرُ الْمُحْصَنَيْنِ إِذَا زَنَيَا وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْصُودٌ بِذَلِكَ قَصْدَ الْبَيَانِ عَنْ حُكْمِ الزُّنَاةِ مِنَ الرِّجَالِ كَمَا كَانَ مَقْصُودًا بِقَوْلِهِ: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: ١٥] قَصَدَ الْبَيَانَ عَنْ حُكْمِ الزَّوَانِي، لَقِيلَ: وَالَّذِينَ يَأْتُونَهَا مِنْكُمْ فَآذَوْهُمْ، أَوْ قِيلَ: وَالَّذِي يَأْتِيهَا مِنْكُمْ، كَمَا قِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [النساء: ١٥] فَأَخْرَجَ ذِكْرَهُنَّ عَلَى الْجَمْعِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَاللَّتَانِ يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَةَ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْبَيَانَ عَلَى الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلٍ أَوِ الْوَعْدِ عَلَيْهِ، أَخْرَجَتْ أَسْمَاءَ أَهْلِهِ بِذِكْرِ الْجَمْعِ أَوِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاحِدَ يَدُلُّ عَلَى جِنْسِهِ، وَلَا تُخْرِجُهَا بِذِكْرِ اثْنَيْنِ، فَتَقُولُ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَهُمْ كَذَا، وَالَّذِي يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ كَذَا، وَلَا تَقُولُ: اللَّذَانِ يَفْعَلَانِ كَذَا فَلَهُمَا كَذَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالزِّنَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ زَانِ وَزَانِيَةٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، قِيلَ بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ، يُرَادُ بِذَلِكَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَذْكُرَ بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ شَخْصَانِ فِي فِعْلٍ قَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ أَوْ فِي فِعْلٍ لَا يَكُونَانِ فِيهِ مُشْتَرِكَيْنِ فَذَلِكَ مَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيِّنٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: ١٦] الرَّجُلَانِ، وَصِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا غَيْرُ اللَّوَاتِي تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِنَّ فِي قَوْلِهِ: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [النساء: ١٥] لِأَنَّ هَذَيْنِ اثْنَانِ وَأُولَئِكَ جَمَاعَةٌ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ لِلثَّيِّبَاتِ عُقُوبَةً حَتَّى يُتَوَفَّيْنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ فِي الْعُقُوبَةِ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ تَعْنِيفٌ