تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٣٩
: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ يَفْعَلْ مَا حَرَّمْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [البقرة: ٢٣١] مِنْ نِكَاحِ مَنْ حَرَّمْتُ نِكَاحَهُ , وَتَعَدَّى حُدُودَهُ , وَأَكَلَ أَمْوَالَ الْأَيْتَامِ ظُلْمًا , وَقَتَلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمُ قَتْلُهَا ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ يَأْكُلْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ ظُلْمًا , فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَفْعَلْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: ١٩] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [البقرة: ٢٣١] مِنْ نِكَاحِ الْمُحَرَّمَاتِ , وَعَضْلِ الْمُحَرَّمِ عَضْلُهَا مِنَ النِّسَاءِ , وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , وَقَتْلِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ الْعُقُوبَةَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ: {ذَلِكَ} [النساء: ٣٠] : مَعْنِيًّا بِهِ جَمِيعَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ؟ قِيلَ: مَنَعَ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فَصْلٍ مِنْ ذَلِكَ قَدْ قُرِنَ بِالْوَعِيدِ , إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: ١٨] وَلَا ذِكْرَ لِلْعُقُوبَةِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهُ , إِلَى قَوْلِهِ: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [النساء: ٣٠] فَكَانَ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [البقرة: ٢٣١] مَعْنِيًّا بِهِ مَا قُلْنَا مِمَّا لَمْ يُقْرَنْ بِالْوَعِيدِ مَعَ إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَوَعَّدَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ مَا سَلَفَ فِيهِ الْوَعِيدُ بِالنَّهْيِ مَقْرُونًا قَبْلَ ذَلِكَ.