تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٢
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {§وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] «أَيْ أَنَّ الْمَوْتَ كَائِنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَوْتٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَتْلٌ خَيْرٌ لَوْ عَلِمُوا فَأَيْقَنُوا مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي لَهَا يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الْجِهَادِ، تَخَوُّفًا مِنَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ لِمَا جَمَعُوا مِنْ زَهِيدِ الدُّنْيَا وَزَهَادَةٍ فِي الْآخِرَةِ» وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] وَابْتِدَأُ الْكَلَامِ: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: ١٥٨] بِحَذْفِ جَزَاءِ «لَئِنْ» لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ -[١٨٣]-: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] مَعْنَى جَوَازٍ لِلْجَزَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَعْدٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ، لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَيَرْحَمَنَّكُمْ، فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] وَجَمَعَ مَعَ الدَّلَالَةِ بِهِ عَلَيْهِ الْخَبَرَ عَنْ فَضْلِ ذَلِكَ عَلَى مَا يُؤْثِرُونَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يَجْمَعُونَ فِيهَا. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} [آل عمران: ١٥٧] جَوَابًا لِقَوْلِهِ: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} [آل عمران: ١٥٧] ؟ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ وَمَغْفِرَةً، إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّبِيلِ، فَقَالَ: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} [آل عمران: ١٥٧] يَقُولُ: لِذَلِكَ {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] يَعْنِي لَتِلْكَ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ، وَدَخَلَتِ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: ١٥٧] لِدُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ: «وَلَئِنْ» ، كَمَا قِيلَ: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ} [الحشر: ١٢]