تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦٦
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَلَمْ تَرَوْا} [لقمان: ٢٠] أَيُّهَا النَّاسُ {أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ} مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنَجْمٍ وَسَحَابٍ {وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٥٥] مِنْ دَابَّةٍ، وَشَجَرٍ، وَمَاءٍ، وَبَحْرٍ، وَفُلْكٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، يَجْرِي ذَلِكَ كُلُّهُ لِمَنَافِعِكُمْ، وَمَصَالِحِكُمْ، لِغِذَائِكُمْ، وَأَقْوَاتِكُمْ، وَأَرْزَاقِكُمْ، وَمَلَاذِكُمْ، تَتَمَتَّعُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: ٢٠] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَوَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهُ الْإِسْلَامُ، أَوْ إِلَى أَنَّهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {نِعَمَهُ} [لقمان: ٢٠] ، عَلَى الْجِمَاعِ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى ذَلِكَ، إِلَى أَنَّهَا النِّعَمُ الَّتِي سَخَّرَهَا اللَّهُ لِلْعِبَادِ مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاسْتَشْهَدُوا لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل: ١٢١] قَالُوا: فَهَذَا جَمَعَ النِّعَمَ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ النِّعْمَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاحِدَةِ، وَمَعْنَى الْجِمَاعِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْجِمَاعِ الْوَاحِدَةُ. وَقَدْ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: ١٨] فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ نِعْمَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل: ١٢١] ، فَجَمَعَهَا، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ فَمُصِيبٌ.