تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٨٦
{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [١] .
{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) } .
{الْأَعْرَابُ} أَيْ: أَهْلُ الْبَدْوِ، {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ، {وَأَجْدَرُ} أَخْلَقُ وَأَحْرَى، {أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} وَذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بِمَا فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ {حَكِيمٌ} فِيمَا فَرَضَ مِنْ فَرَائِضِهِ.
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} قَالَ عَطَاءٌ: لَا يَرْجُو [٢] عَلَى إِعْطَائِهِ ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُ عَلَى إِمْسَاكِهِ عِقَابًا، إِنَّمَا يُنْفِقُ خَوْفًا أَوْ رِيَاءً وَالْمَغْرَمُ الْتِزَامُ مَا لَا يُلْزَمُ. {وَيَتَرَبَّصُ} وَيَنْتَظِرُ {بِكُمُ الدَّوَائِرَ} يَعْنِي: صُرُوفَ الزَّمَانِ، الَّتِي تَأْتِي مَرَّةً بِالْخَيْرِ وَمَرَّةً بِالشَّرِّ. وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رِئَابٍ: يَعْنِي يَنْقَلِبُ الزَّمَانُ عَلَيْكُمْ فَيَمُوتُ الرَّسُولُ وَيَظْهَرُ الْمُشْرِكُونَ، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [عَلَيْهِمْ] [٣] يَدُورُ الْبَلَاءُ وَالْحَزَنُ. وَلَا يَرَوْنَ فِي مُحَمَّدٍ وَدِينِهِ إِلَّا مَا يَسُوءُهُمْ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} ها هنا وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ، بِضَمِّ السِّينِ، مَعْنَاهُ: الضُّرُّ وَالْبَلَاءُ وَالْمَكْرُوهُ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ الرِّدَّةُ وَالْفَسَادُ، وَبِالضَّمِّ الضُّرُّ وَالْمَكْرُوهُ.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} نَزَلَتْ فِي أَعْرَابِ أَسَدٍ وغَطَفَانَ وَتَمِيمٍ [٤] . ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ:
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَسْلَمُ وَغِفَارٌ وَجُهَيْنَةُ.
[١] انظر: البحر المحيط: ٤ / ٨٩-٩٠.
[٢] في "ب": (يرجون ... يخافون) .
[٣] ساقط من "أ".
[٤] انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٧) ، الدر المنثور: ٤ / ٢٦٦.