تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٣٨٠
مِنَ النُّورِ [١] .
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) } .
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا} أَيْ: سَأَخْلُقُ بَشَرًا {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} عَدَّلْتُ صُورَتَهُ، وَأَتْمَمْتُ خَلْقَهُ، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} فَصَارَ بَشَرًا حَيًّا، وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ يَحْيَا بِهِ الْإِنْسَانُ، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ.
{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} .
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ؟
قُلْنَا: زَعَمَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا.
وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ: أَنَّ قَوْلَهُ {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} كَانَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّهُ سَجَدَ بَعْضُهُمْ فَذَكَرَ "كُلُّهُمْ" لِيَزُولَ هَذَا الْإِشْكَالُ، ثُمَّ كَانَ [يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ سَجَدُوا] [٢] فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَزَالَ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ بِقَوْلِهِ "أَجْمَعُونَ" [٣]
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ أُخْرَى: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [٤] .
[١] أخرج الإمام مسلم في صحيحه: (٤ / ٢٢٩٤) عن عائشة رضي الله عنها قلت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".
[٢] في "ب" من المحتمل أن يسجدوا.
[٣] جاء هذا الجواب أوضح في "مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل" ص (١٦٧-١٦٨) قال: "قال سيبويه والخليل: هو توكيد بعد توكيد، فيفيد زيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، فلا يكون تحصيل الحاصل، بل تكون نسبة "أجمعون" كنسبة "كلهم" إلى أصل الجملة. وقال المبرد: قوله تعالى: "أجمعون" يدل على اجتماعهم في زمان السجود، و"كلهم" يدل على وجود السجود من الكل، فكأنه قال: فسجد الملائكة كلهم معا في زمان واحد. واختار ابن الأنباري هذا القول. واختار الزجاج وأكثر الأئمة قول سيبويه، وقالوا: لو كان الأمر كما زعم المبرد لكان "أجمعون" حالا، لوجود حد الحال فيه، وليس بحال؛ لأنه مرفوع، ولأنه معرفة كسائر ألفاظ التوكيد".
[٤] أخرجه الطبري في التفسير: ١٤ / ٣١. وقال ابن كثير: (٢ / ٥٥١) وفي ثبوت هذا عنه نظر، والظاهر أنه إسرائيلي ووصفه بأنه أثر غريب عجيب.