تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٣٧٤
نُجُومًا غَيْرَهَا، وَهِيَ وَاللَّهِ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا فَهَذَا الْأَمْرُ أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْخَلْقِ [١] .
قَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أَكَانَ يُرْمَى بِالنُّجُومِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} [جن-٦] الْآيَةَ؟ قَالَ: غُلِّظَتْ وَشُدِّدَ أَمْرُهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [٢] .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّ الرَّجْمَ كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ [مِثْلُهُ] [٣] فِي شِدَّةِ الْحِرَاسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ [٤] .
وَقِيلَ: إِنَّ النَّجْمَ يَنْقَضُّ فَيَرْمِي الشَّيَاطِينَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) } .
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} بَسَطْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، يُقَالُ: إِنَّهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ فِي مِثْلِهَا دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ [٥] {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} جِبَالًا ثَوَابِتَ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَمِيدُ إِلَى أَنْ أَرْسَاهَا اللَّهُ بِالْجِبَالِ {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أَيْ: فِي الْأَرْضِ {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ.
وَقِيلَ: يَعْنِي فِي الْجِبَالِ، وَهِيَ جَوَاهِرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى الزَّرْنِيخِ وَالْكُحْلِ كُلُّ ذَلِكَ يُوزَنُ وَزْنًا.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُوزَنُ وَزْنًا [٦] .
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} جَمْعُ مَعِيشَةٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ [وَهِيَ مَا] [٧] يَعِيشُ بِهِ الْآدَمِيُّ [٨] فِي الدُّنْيَا {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ، أَيْ: جَعَلْنَاهَا لَكُمْ وَكَفَيْنَاكُمْ رِزْقَهَا، وَ"مَنْ" فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى "مَا" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} (النُّورِ-٤٥) .
[١] انظر: تفسير القرطبي: ١٠ / ١٢.
[٢] رواه عبد الرزاق عن معمر. انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص (٤٢٩) تحقيق السيد صقر.
[٣] استدركناها من "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة واضطربت العبارة في المطبوع اضطرابا كثيرا، وفيها زيادات، ليست في "تأويل المشكل" ولا في النسخ الخطية.
[٤] انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص (٤٣٠) .
[٥] انظر: البحر المحيط: ٥ / ٤٥٠. وذكر المصنف ذلك بصيغة التمريض، ولا دليل ثابت عن المعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك.
[٦] والمعنى الأول أعم وأحسن. انظر: المحرر الوجيز: ٨ / ٢٩٣.
[٧] في "أ" وقيل.
[٨] في "ب" المرء.