تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٣٤٤
قَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُونَ فِي النَّارِ: تَعَالَوْا نَجْزَعُ، فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، فَلَا يَنْفَعُهُمُ الْجَزَعُ، ثُمَّ يَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَصْبِرُ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فَلَا يَنْفَعُهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [١] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ [٢] بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِالْخَزَنَةِ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} (غَافِرٍ -٤٩) ، فَرَدَّتِ الْخَزَنَةُ عَلَيْهِمْ: "أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى"، فَرَدَّتِ الخزنة عليهم: {ادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} (غَافِرٍ -٥٠) فَلَمَّا يَئِسُوا مِمَّا عِنْدَ الْخَزَنَةِ نَادَوْا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (الزُّخْرُفِ -٧٧) سَأَلُوا الْمَوْتَ، فَلَا يُجِيبُهُمْ ثَمَانِينَ سَنَةً وَالسَّنَةُ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ يَوْمًا، وَالْيَوْمُ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ لَحَظَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الثَّمَانِينَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِمَّا قَبْلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا تَرَوْنَ فَهَلُمُّوا فَلْنَصْبِرْ، فَلَعَلَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُنَا كَمَا صَبَرَ أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَنَفَعَهُمْ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، فَطَالَ صَبْرُهُمْ ثُمَّ جَزِعُوا فَنَادَوْا: "سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ"، أَيْ: مِنْ مَنْجَى.
قَالَ: فَقَامَ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ" الْآيَةَ، فَلَمَّا سَمِعُوا مَقَالَتَهُ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ فَنُودُوا: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} (غَافِرٍ -١٠) قَالُوا فَنَادَوُا الثَّانِيَةَ: "فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ"، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} الْآيَاتِ (السَّجْدَةِ -١٢، ١٣) فَنَادَوُا الثَّالِثَةَ: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} (إِبْرَاهِيمَ ٤٤) ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الْآيَاتِ (إِبْرَاهِيمَ -٤٤) ، ثُمَّ نَادَوُا الرَّابِعَةَ: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فَرَدَّ عَلَيْهِمْ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} ، الْآيَةَ (فَاطِرٍ -٣٧) قَالَ: فَمَكَثَ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَادَاهُمْ: "أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ"، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَالُوا: الْآنَ يَرْحَمُنَا، فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: "رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ"، قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} (الْمُؤْمِنُونَ ١٠٥-١٠٨) فَانْقَطَعَ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجَاءُ وَالدُّعَاءُ عَنْهُمْ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَنْبَحُ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ، وَأُطْبِقَتْ عَلَيْهِمُ النَّارُ.
[١] رواه الطبراني عن كعب بن مالك مرفوعا، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وفيه أنس بن القاسم. قال ابن أبي حاتم: هو مجهول. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٤٣، الدر المنثور: ٥ / ١٧، الجرح والتعديل: ٢ / ٢٨٨.
[٢] انظر: الدر المنثور: ٥ / ١٨، تفسير الطبري: ١٦ / ٥٦٤.