تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٢٩٥
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَمَثَلِ بَنِيَ آدَمَ، صَالِحِهِمْ وَخَبِيثِهِمْ، وَأَبُوهُمْ وَاحِدٌ [١] .
قَالَ الْحَسَنُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، وَيَقُولُ: كَانَتِ الْأَرْضُ طِينَةً وَاحِدَةً فِي يَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَطَحَهَا، فَصَارَتْ قِطَعًا مُتَجَاوِرَةً، فَيُنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ [٢] مِنَ السَّمَاءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَهَا، وَشَجَرَهَا وَثَمَرَهَا وَنَبَاتَهَا، وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَهَا وَمِلْحَهَا وَخَبِيثَهَا [٣] وَكُلٌ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ، وَتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو.
قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (الْإِسْرَاءِ -٨٢) . [٤]
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُ {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [٥] } .
{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} الْعَجَبُ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِرُؤْيَةِ الْمُسْتَبْعَدِ فِي الْعَادَةِ، وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّكَ إِنْ تَعْجَبْ مِنْ إِنْكَارِهِمُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ [مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] [٥] فَعَجَبٌ أَمْرُهُمْ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْعَجَبِ.
[١] الطبري: ١٦ / ٣٤٢.
[٢] في "ب": الماء.
[٣] في "ب": خبثا.
[٤] الطبري: ١٦ / ٣٤٠.
[٥] ساقط من "ب".