تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٣٠
فَاهَا، فَفَزِعْتُ، فَوَثَبت فَإِذَا أَنَا مِنْ وَرَائِهَا، وَإِذَا جِرَاؤُهَا يَنْبَحْنَّ فِي بَطْنِهَا. فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يُقَاعِدُ الْغُلَامُ الْمَشْيَخَةَ فِي مَجْلِسِهِمْ ويَبُزّهم حَدِيثَهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ، إِذَا أَنَا بِمِائَةِ عَنْزٍ حُفَّل، وَإِذَا فِيهَا جَدْي يَمُصُّهَا، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهَا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، فَتَحَ فَاهُ يَلْتَمِسُ الزِّيَادَةَ. فَقَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، مَلِكٌ يَجْمَعُ صَامِتَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَتَحَ فَاهُ يَلْتَمِسُ الزِّيَادَةَ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِشَجَرٍ، فَأَعْجَبَنِي غُصْنٌ مِنْ شَجَرَةٍ مِنْهَا نَاضِرٌ، فَأَرَدْتُ قِطْعَهُ، فَنَادَتْنِي شَجَرَةٌ أُخْرَى: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، مِنِّي فَخُذْ". حَتَّى نَادَانِي الشَّجَرُ أَجْمَعُ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، مِنَّا فَخُذْ". قَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ [١] النِّسَاءُ، حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ لَيَخْطُبَ الْمَرْأَةَ فَتَدْعُوهُ الْعَشْرُ وَالْعِشْرُونَ إِلَى أَنْفُسِهِنَّ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل قَائِمٍ عَلَى عَيْنٍ، يَغْرِفُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا تَصَدعوا عَنْهُ صَبّ فِي جَرّته فَلَمْ تَعلَق جَرته مِنَ الْمَاءِ بِشَيْءٍ. قَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، الْقَاصُّ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْعِلْمَ ثُمَّ يُخَالِفُهُمْ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِعَنْزٍ وَإِذَا بِقَوْمٍ قَدْ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهَا، وَإِذَا رَجُلٌ قَدْ أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا، وَإِذَا رَجُلٌ قَدْ أَخَذَ بذَنَبها، وَإِذَا رَجُلٌ [٢] قَدْ رَكِبَهَا، وَإِذَا رَجُلٌ يَحْلِبُهَا. فَقَالَ: أَمَّا الْعَنْزُ فَهِيَ الدُّنْيَا، وَالَّذِينَ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهَا يَتَسَاقَطُونَ مِنْ عَيْشِهَا، وَأَمَّا الَّذِي قَدْ أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا فَهُوَ يُعَالِجُ مِنْ عَيْشِهَا ضِيقًا، وَأَمَّا الَّذِي أَخَذَ بِذَنَبِهَا فَقَدْ أَدْبَرَتْ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي رَكِبَهَا [٣] فَقَدْ تَرَكَهَا. وَأَمَّا الَّذِي يَحْلِبُهَا فَبخٍ [بخٍ] [٤] ، ذَهَبَ ذَلِكَ [٥] بِهَا.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ، وَإِذَا أَنَا بَرْجَلٍ يمْتح عَلَى قَليب، كُلَّمَا أَخْرَجَ [٦] دَلْوَهُ صبَّه فِي الْحَوْضِ، فَانْسَابَ الْمَاءُ رَاجِعًا إِلَى الْقَلِيبِ. قَالَ: هَذَا رَجُلٌ رَدّ اللَّهُ [عَلَيْهِ] [٧] صَالِحَ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ، إِذَا أَنَا بَرْجَلٍ يبذُر بَذْرًا فَيُسْتَحْصَدُ، فَإِذَا حِنْطَةٌ طَيِّبَةٌ. قَالَ: هَذَا رَجُلٌ قَبِلَ اللَّهُ صَالِحَ عَمَلِهِ، وَأَزْكَاهُ [٨] لَهُ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى [إِذَا] [٩] انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ، إِذَا أَنَا بَرْجَلٍ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، ادْنُ مِنِّي فَخُذْ بِيَدِي وَأَقْعِدْنِي، فَوَاللَّهِ مَا قَعَدْتُ مُنْذُ خَلَقَنِي اللَّهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقَامَ يَسْعَى حَتَّى مَا أَرَاهُ. فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: هَذَا عمْر الْأَبْعَدِ نَفَد، أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَتْكَ ... [١٠] أَمَرَنِي اللَّهُ بِقَبْضِ رَوْحِ الْأَبْعَدِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، ثُمَّ أُصَيِّرُهُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ قَالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} الآية.
[١] في ت: "وتكثر".
[٢] في ت، س، أ: "راكب".
[٣] في ت، س، أ: "الذي قد ركبها".
[٤] زيادة من ت، س، أ، والدر المنثور.
[٥] في ت، س، أ: "ذاك".
[٦] في أ: "فلما أن خرج".
[٧] زيادة من ت، س، أ.
[٨] في أ: "وزكاه".
[٩] زيادة من ت، س.
[١٠] في أ: "أتيتك".