تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١١٩
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْل قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِل -يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب قَالَ: لَقِيَ سلمانُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ فِجَاجِ [١] الْمَدِينَةِ، فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا تَسْجُدْ لِي يَا سَلْمَانُ، وَاسْجُدْ لِلْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ" وَهَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ [٢] .
[وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} ، أَيْ: اقْرِنْ بَيْنَ حَمْدِهِ وَتَسْبِيحِهِ] [٣] ؛ وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ" أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالتَّوَكُّلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا} [الْمُزَّمِّلِ: ٩] .
وَقَالَ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هُودٍ: ١٢٣] {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الْمُلْكِ: ٢٩] .
وَقَوْلُهُ: {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} أَيْ: لِعِلْمِهِ [٤] التَّامِّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.
وقوله: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أَيْ: هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، الَّذِي خَلَقَ بِقُدْرَتِهِ وسلطانه السموات السَّبْعَ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي سُفُولِهَا وَكَثَافَتِهَا، {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرَّحْمَنُ] } [٥] ، أَيْ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، وَيَقْضِي الْحَقَّ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} أَيِ: اسْتَعْلِمْ عَنْهُ مَنْ هُوَ خَبِيرٌ بِهِ عَالِمٌ بِهِ فَاتَّبِعْهُ وَاقْتَدِ بِهِ، وَقَدْ عُلِم أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَلَا أَخْبَرُ بِهِ مِنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، على [٦] سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى -فَمَا قَالَهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ صِدْقٌ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَكِّمُ الَّذِي إِذَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ، وَجَبَ رَدُّ نِزَاعِهِمْ إِلَيْهِ، فَمَا يُوَافِقُ أَقْوَالَهُ، وَأَفْعَالَهُ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَا يُخَالِفُهَا [٧] فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ وَفَاعِلِهِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النِّسَاءِ: ٥٩] .
وَقَالَ: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشُّورَى: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا} [الْأَنْعَامُ: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْإِخْبَارِ وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي؛
[١] في أ: "مخارج".
[٢] ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/١٠٣) من طريق محمد بن أحمد بن سيار عن هشام عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي حسين به
[٣] زيادة من ف، أ.
[٤] في ف، أ: "بعلمه".
[٥] زيادة من أ.
[٦] في ف، أ: "عليه".
[٧] في أ: "وما خالفها".