تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٠٤
اللَّهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} [إِبْرَاهِيمَ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النُّورِ: ٣٩] وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَوْلُهُ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ [١] أَهْلَ الْجَنَّةِ يَصِيرُونَ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ، وَالْغُرُفَاتِ الْآمِنَاتِ، فَهُمْ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، حَسَنِ الْمَنْظَرِ، طَيِّبِ الْمَقَامِ، {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الْفَرْقَانِ: ٧٦] ، وَأَهْلُ النَّارِ يَصِيرُونَ إِلَى الدَّرَكَاتِ السَّافِلَاتِ، وَالْحَسَرَاتِ الْمُتَتَابِعَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالْعُقُوبَاتِ، {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الْفَرْقَانِ: ٦٦] أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا وَبِئْسَ [٢] الْمَقِيلُ مَقَامًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} أَيْ: بِمَا عَمِلُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُتَقَبَّلَةِ، نَالُوا مَا نَالُوا، وَصَارُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ [٣] ، بِخِلَافِ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَاحِدٌ يَقْتَضِي لَهُمْ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، فَنَبَّه -تَعَالَى -بِحَالِ السُّعَدَاءِ عَلَى حَالِ الْأَشْقِيَاءِ، وَأَنَّهُ لَا خَيْرَ عِنْدَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} .
قَالَ الضَّحَّاكُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا هِيَ ضَحْوَةٌ، فَيَقِيلُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى الْأَسِرَّةِ مَعَ الْحَورِ الْعَيْنِ، ويَقيل أَعْدَاءُ اللَّهِ مَعَ الشَّيَاطِينِ مُقْرَّنِينَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِنَ الْحِسَابِ نِصْفَ النَّهَارِ، فَيَقِيلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنِّي لَأَعْرِفُ السَّاعَةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ: هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى الْأَكْبَرِ، إِذَا انْقَلَبَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِيهِمْ لِلْقَيْلُولَةِ، فَيَنْصَرِفُ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، وَأَمَّا أَهْلُ [الْجَنَّةِ فيُنطلق بِهِمْ إِلَى] [٤] الْجَنَّةِ، فَكَانَتْ قَيْلُولَتُهُمْ [فِي الْجَنَّةِ] [٥] وَأُطْعِمُوا كَبِدَ حُوتٍ، فَأَشْبَعَهُمْ [ذَلِكَ] [٦] كُلَّهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} .
وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ مَيسَرة، عَنِ المِنْهَال، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ حَتَّى يَقِيلَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ثُمَّ قَرَأَ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} وَقَرَأَ {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: ٦٨] .
[١] في أ: "أن".
[٢] في ف: "أو".
[٣] في ف: "وصاروا إلى ما إليه صاروا".
[٤] زيادة من ف، أ.
[٥] زيادة من ف، أ.
[٦] زيادة من ف، أ.