نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت احسان عباس - المقري التلمساني - الصفحة ٥٧٣
إليه بأبصارهم، فهتف بهم كالمنادي -: يا أيّها الناس، وكررها عليهم مشيراً بيده في نواحيهم " أنتم الفقراء إلى الله ... إلى بعزيز " فاشتد وجد الناس، وانطلقت أعينهم بالبكاء، ومضى في خطبته.
وقيل [١] : إن الخليفة الناصر طلبه مرّة [٢] للاستسقاء، واشتدّ عزمه [٣] عليه، فتسابق الناس للمصلّى، فقال للرسول - وكان من خواص الناس -: ليت شعري، ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ فقال له: ما رأينا قطّ أخشع منه في يومنا هذا، إنّه منتبذ حائر منفرد بنفسه، لابس أخسّ [٤] الثياب، مفترش التراب، وقد رمّد به على رأسه وعلى لحيته، وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذّب بي الرعيّة وأنت أحكم الحاكمين لن يفوتك شيء منّي، قال الحاكي: فتهّل وجه القاضي منذر عندما سمع قوله، وقال: يا غلام احمل المطر معك فقد أذن الله تعالى بالسّقيا، إذا خشع جبار الأرض فقد رحم جبار السماء، وكان كما قال، فلم ينصرف الناس إلا عن السّقيا [٥] .
وكان منذر شديد الصلابة [٦] في أحكامه، والمهابة في أقضيته، وقوّة الحكومة [٧] والقيام بالحق في جميع ما يجري على يده، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه.
وقال ابن الحسن النّباهي، وأصله في المطمح وغيره [٨] : ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن الناصر كان
[١] ق: ومنه. وفي ط بياض؛ ج: وذكر أن.
[٢] ك: خرج مرة؛ ج: حركة مرة.
[٣] ك: وأسرع عزمه؛ ج: ووطن عزمه.
[٤] ج: أخشن.
[٥] إذا ... السقيا: سقط من ج.
[٦] المطمح: من ذوي الصلابة.
[٧] ق ط ودوزي: الخلوة.
[٨] المرقبة العليا: ٧١ والروض المعطار: ١٤٠ - ١٤١.