نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت احسان عباس - المقري التلمساني - الصفحة ٤١٣
بالغدوّ إلى الباب، فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور، فاستدناه والتاجر حاضر، وقال له: سبب ضاع منّا وسقط إليك، ما فعلت به؟ قال: هوذا يا مولاي، وضرب بيده إلى حجرة سراويله فأخرج الصّرة بعينها، فصاح التاجر طرباً، وكاد يطير فرحاً، فقال له المنصور: صف لي حديثها، فقال بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة إذ سقطت أمامي، فأخذتها وراقني منظرها، فقلت: إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار، فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيوناً كانت معها مصرورة، وقلت: أقلّ ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها، فأعجب المنصور ما كان منه، وقال للتاجر: خذ صرّتك وانظرها واصدقني عن عددها، ففعل وقال: وحقّ رأسك يا مولاي ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها وقد وهبتها له، فقال المنصور: نحن أولى بذلك منك ولا ننغص [١] عليك فرحك، ولولا جمعه بين الإصرار والإقرار لكان ثوابه موفوراً عليه، ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضاً من دنانيره، ولجنّان بعشرة دنانير ثواباً لتأنيه عن فساد ما وقع بيده، وقال: لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث لأوسعناه جزاء، قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده نشاطه وقال: والله لأبثنّ في الأقطار عظيم ملكك، ولأنبئنّ [٢] أنّك تملك طير أعمالك كما تملك إنسها، فلا تعتصم منك ولا تمتنع، ولا تؤذي جارك، فضحك المنصور وقال: اقصد في قولك يغفر الله لك، فعجب الناس من تلطّف المنصور في أمره وحيلته في تفريج كربته.
ثم حكى هذا المؤرخ [٣] غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية، وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس، وما يتصل بها من الأرض الكبيرة، وكانت
[١] ق ط: تنقص.
[٢] ق ط: ولأبينن.
[٣] البيان المغرب ٢: ٤٣٩ وهذه بداية ج، فأما في ق ك فقد بدأ بقوله " ومن ذلك " وذلك خطأ لأن القصة ليست من قصص الدهاء التي مرت أمثلتها. وفي ط بياض.