تاريخ النقد الادبي عند العرب - إحسان عباس - الصفحة ١٤٤
هذا التصور يفسر لنا لم كانت " السنة " العربية في الشعر تملك لب ابن طباطبا، ذلك لأنه لم يكن يرى المثل الأعلى الفني في تلك السنة وحسب، بل لأنها كانت في تصوره مثالاً أخلاقياً كذلك.
[٥] أما النوع الخامس من الصدق فهو الصدق التصويري أو ما يسميه ابن طباطبا " صدق التشبيه " وهو ينص عليه في غير موطن من كتابه؛ على الشاعر أن " يتعمد الصدق والوفق في تشبيهاته " [١] ، وأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى [٢] ، وللتشابه أنحاء: منها الصورة والهيئة والمعنى والحركة واللون والصوت، فكلما زاد عدد هذه الأنحاء في التشبيه " قوي التشبيه وتأكد الصدق فيه " [٣] ومن التشبيهات التي أجمعت فيها الصورة واللون والحركة والهيئة قول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الدمع ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
وفراء غرفية أثاى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتب فما كان من التشبيه صادقاً قلت في وصفه " كأنه " أو قلت " ككذا " وما قارب الصدق قلت فيه: تراه أو تخاله أو يكاد [٤] ، فإذا خرج الشاعر عن الصدق انتقل إلى الغلو والإفراط، وذلك عيب. ومتى تضمن الشعر صفات صادقة وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها ارتاحت غليه النفس وقبله الفهم [٥] . فإذا توفرت للشعر
[١] عيار الشعر: ٦.
[٢] نفسه: ٧.
[٣] نفسه: ١٧.
[٤] نفسه: ٢٣.
[٥] نفسه: ١٢٠ - ١٢١.