المسائل السفريه

المسائل السفريه - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٧

الْقَاعِدَة الأولى: إنّ الْقَضِيَّة السالبة لَا تَسْتَلْزِم وجود [١] الْمَوْضُوع بل كَمَا تصدق مَعَ وجوده تصدق مَعَ عَدمه. فَإِذا قيل: (مَا جَاءَنِي قَاضِي مكَّةَ وَلَا ابْن الْخَلِيفَة) صدقت الْقَضِيَّة وإنْ لم يكن بِمَكَّة قاضٍ وَلَا للخليفة ابْن. وَهَذِه الْقَاعِدَة هِيَ الَّتِي يخرج عَلَيْهَا: (فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين) وَبَيت امْرِئ الْقَيْس، فإنّ شَفَاعَة الشافعين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَافرين غير مَوْجُودَة يَوْم الْقِيَامَة لأنّ الله تَعَالَى لَا يَأْذَن لأحد فِي [٢] أنْ يشفع لَهُم لأنّه لَا يَأْذَن فِي مَا لَا ينفع لتعاليه عَن الْعَبَث، وَلَا يشفع أحد عِنْد الله إِذا لم يَأْذَن الله لَهُ [٣] : (مَنْ ذَا الَّذِي يشفعُ عِنْده إلاّ بِإِذْنِهِ) [٤] . وَكَذَلِكَ الْمنَار غير مَوْجُود فِي اللاحب الْمَذْكُور، لأنّ المُرَاد التمدح بأنّه [٥] يقطع الأَرْض المجهولة من غَيرهَا ويهتدى بِهِ، فغرضه إنّما تعلَّق بِنَفْي وجود مَا يهتدى بِهِ فِي تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي سلكها لَا بِنَفْي وجود الْهِدَايَة عَن شَيْء نُصب [٦] فِيهَا للاهتداء بِهِ. وأمّا قَول أبي حيّان وَغَيره: المُرَاد لَا شَافِع لَهُم فتنفعهم شَفَاعَته وَلَا منار فيهتدى بِهِ [٧] فَلَيْسَ بِشَيْء، لأنّ النَّفْي إنّما يتسلط على الْمسند لَا على الْمسند إِلَيْهِ، وَلَكنهُمْ لمّا رَأَوْا الشَّفَاعَة والمنار غير موجودين توهموا أنّ ذَلِك من اللَّفْظ فزعموا مَا زَعَمُوا، وفَرْقٌ بَين قَوْلنَا: الكلامُ صادقٌ مَعَ عدم الْمسند إِلَيْهِ، وَقَوْلنَا: إنّ الْكَلَام اقْتضى عَدمه. الْقَاعِدَة الثَّانِيَة: أنّ الْقَضِيَّة السالبة الْمُشْتَملَة على مُقَيّد نَحْو: " مَا جَاءَنِي رجلٌ شاعرٌ " يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول [٨] : أنْ يكون نفي الْمسند بِاعْتِبَار المقيّد فَيَقْتَضِي الْمَفْهُوم فِي الْمِثَال الْمَذْكُور وجود مَجِيء رجلٍ مَا غير شَاعِر، وَهَذَا هُوَ الِاحْتِمَال الرَّاجِح المتبادل،


[١] أ: وُقُوع.
[٢] (فِي) سَاقِطَة من ب.
[٣] (لَهُ) سَاقِطَة من أ، ب.
[٤] البقة ٢٥٥.
[٥] من ح، وَفِي أ، ب: لِأَنَّهُ.
[٦] سَاقِطَة من ح.
[٧] (بِهِ) سَاقِطَة من ح. وَقَول أبي حَيَّان فِي الْبَحْر الْمُحِيط ٨ / ٣٨٠.
[٨] ح: أَحدهمَا.