تاريخ الاسلام - ط التوفيقيه - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٩٠
٥٦٣- محمد بْن عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن رُستْم١: أَبُو بَكْر البغداديّ المادّرائيّ. الكاتب الوزير. وزر لخماروَيْه صاحب مصر، وولي أَبُوهُ خراج مصر. مولده سنة ٢٥٧. سَمِعَ الكثير، واحترق أكثر كُتُبه وبقي عنده جزءان سمعهما من أَحْمَد بْن عَبْد الجبّار العُطَارِديّ. وتوفي بمصر فِي شوّال. رَوَى عَنْهُ: ابنه عَلِيّ، وأبو مُسلْمِ الكاتب.
كَانَ رئيسًا نبيلًا معظَّمًا، كثير المعروف إلى أولاد النّعم وأهل الحَرَمَيْن. ولم يكن بقي أحد من الأكابر الجلة يرتفع عَن الْوقوف ببابه. وقد حجّ إحدى وعشرين حجّة، وكان كثير الصيّام، ملازم للصّلاة فِي المساجد القديمة. وفيه يَقُولُ أَبُو الْعَبَّاس اليَشْكُريّ:
عزَّ أمرٌ عَلَى البريّة عزّا ... تَرك الصّبر طائرا مستنفزا
بأبي بكرٍ المصيبةُ عَمَّت ... كلَّ شخصٍ تراه فِيهِ مُعزَّا
وكان الوزير أَبُو الفتح الفضلٍ بْن جعْفَر صادَرَ محمد بْن عَلِيّ المادرائيّ مرة على ألف ألف دينار، وأقام متقلا خمس سنين بالرملة حتّى تُوُفّي أَبُو الفتح، فراسله الإخشيد بالمسير إِلَيْهِ وبإطلاقه، فقِدم فأظهر إكرامه ولم يزل عارفًا بحقوقه إلى أن توفي وصلى علي بالمُصَلَّى أَبُو القاسم الإخشيد ونائب المملكة كافور، ودُفِن بداره.
قَالَ ذَلِكَ المسبَّحيّ. وقال: يقال إنّ ديوان أَبِي بَكْر محمد بْن عَلِيّ أطبق عَلَى ستين ألفًا ممّن يجري عَلَيْهِم الرَزْق. وكان بمصر ممّن يجري عَلَيْهِم الرّزق فِي كلّ شهر مائة ألف رطل عَلَى ما حكاه الحسن بن إسماعيل الضراب عَنْ بعض الطّحّانين.
قَالَ: وأطبق ديوانه عَلَى مائة ألف عَبْد أعتقهم فِي طول عمره. وكان لَهُ المعروف وعمارة المساجد ما لا يوقف عَلَيْهِ كثرة.
وُلِد بنصّيبين، ونشأ بالعراق، وقد مصر شابًا عَلَى واحدة هُوَ وأخوه أَبُو الطَّيْب أَحْمَد. ولم يكن لأبي بكر بلاغَة الكُتَّاب المنتسبين، ولا مبالغة فِي النَّحْو، لكنّه كَانَ ذكيًا صاحب بديهة. ولي الخراج استقلالا، وله ثلاث وعشرون سنة.
وقد وزر أيضا لأبي الجيش خمارويه، فلما قتل أبو الجيش وأجلس في مكانه ابنه هارون بن أبي الجيش استوزر أبا بكر. فلما قتل هارون قدم محمد بن سليمان الكاتب مصر من قبل المكتفي، فأزال دولة الطولونية وخرب ديارهم، وحمل أبا بكر إلى
١ المنتظم "٦/ ٣٨٣، ٣٨٤"، سير أعلام النبلاء "١٥/ ٣٣٤، ٣٣٥"، البداية والنهاية "١١/ ٢٣١".