شرح الحلقة الثّالثة - حسن محمّد فيّاض حسين العاملي - الصفحة ٨٦ - هناك جوابان على هذا الاعتراض
القطعي ، فتكون الإباحة والحلّيّة الثابتة بهذا العموم إباحة وحلّيّة واقعيّة.
بينما المطلوب الاستدلال بالآية على الحلّيّة والإباحة والتأمين الظاهري عند عدم وجدان ما يصلح دليلا على الحكم المشكوك ، فالآية ناظرة إلى شيء آخر ولا أقلّ من احتمال ذلك فتكون مجملة ، وبالتالي لا يتمّ الاستدلال بها.
ومنها : قوله تعالى : ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )[١].
وتقريب الاستدلال كما تقدّم في الحلقة السابقة [٢].
الآية الرابعة للاستدلال على البراءة ، قوله تعالى : ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ... ) بتقريب أنّ الله سبحانه وتعالى نفى الإضلال بعد الهداية حتّى يبيّن للناس.
والمعنى المتحصّل هو أنّ الإضلال والخذلان لا يكون إلا بعد البيان ، وأمّا قبل البيان فلا إضلال ولا عذاب ، وهذا يعني التأمين من العقاب مع عدم البيان.
وفي مقامنا إذا لم يبيّن التكليف لهم ـ وبيانه لهم يعني وصوله إليهم ـ فلا عقاب عليهم وهو يعني البراءة ، فالاستدلال تامّ.
يبقى الكلام في أنّ البراءة المستفادة من الآية هل هي معارضة لأدلّة الاحتياط على فرض تماميّتها ، أو أنّ أدلّة الاحتياط مقدّمة وحاكمة عليها باعتبارها بيانا؟
وهذا الأمر مرتبط بتفسير قوله : ( ما يَتَّقُونَ ) ، وهنا يوجد احتمالان في تفسير هذا الاتّقاء هما :
وما يتّقى إن أريد به ما يتّقى بعنوانه انحصر بالمخالفة الواقعيّة للمولى ، فتكون البراءة المستفادة من الآية الكريمة منوطة بعدم بيان الواقع ، وإن أريد به ما يتّقى ولو بعنوان ثانوي ظاهري كعنوان المخالفة الاحتماليّة كان دليل وجوب الاحتياط واردا على هذه البراءة ؛ لأنّه بيان لما يتّقى بهذا المعنى.
الاحتمال الأوّل : أن يكون المراد من قوله : ( ما يَتَّقُونَ ) العنوان الأوّلي ، وحينئذ يكون المعنى : أنّ الله لا يعاقب ولا يخزي قوما إلا بعد أن يبيّن لهم الأحكام الواقعيّة ؛ لأنّها هي التي يجب على الناس اتّقاؤها وعدم مخالفتها ، وذلك
[١] التوبة : ١١٥. [٢] في بحث الأصول.