شرح الحلقة الثّالثة - حسن محمّد فيّاض حسين العاملي - الصفحة ٤١٥ - ٢ ـ دوران الأمر بين المحذورين
والسؤال هنا هو : هل هذا العلم الإجمالي الدائر بين الوجوب والحرمة منجّز أو لا؟
والجواب : أنّ هذا العلم الإجمالي يستحيل أن يكون منجّزا لشيء من هذين الطرفين. والوجه في ذلك : أمّا تنجيزه لوجوب الموافقة القطعيّة ـ سواء على مسلك الاقتضاء أم على مسلك العلّيّة ـ فهو غير ممكن ؛ إذ لا يمكن اجتماع الوجوب والحرمة معا على شيء واحد ، ولذلك تكون الموافقة القطعيّة خارجة عن قدرة المكلّف تكوينا وواقعا ؛ لأنّ المكلّف غير قادر تكوينا على الجمع بين الضدّين وهما هنا الوجوب والحرمة ؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة متضادّة فيما بينها بلحاظ المبادئ وبلحاظ الامتثال والمتطلّبات.
وأمّا تنجيزه لحرمة المخالفة القطعيّة على المسلكين فهو غير ممكن أيضا ؛ لأنّ المخالفة القطعيّة العمليّة يستحيل صدورها ووقوعها في الخارج ؛ لأنّ المكلّف تكوينا أمام هذه الواقعة المشكوكة إمّا أن يفعل أو يترك ، والجمع بين الفعل والترك مستحيل ، وارتفاع الفعل والترك مستحيل وممتنع أيضا ، ولذلك لا تتصوّر المخالفة القطعيّة أصلا لكي يمنع عنها بالعلم الإجمالي ، أي أنّ عدم المخالفة ثابت في الواقع فلا معنى للنهي عن المخالفة شرعا ما دامت لن تتحقّق تكوينا.
وأمّا تنجيزه لأحد التكليفين بعينه دون الآخر فهو غير معقول أيضا ؛ لأنّ نسبة العلم الإجمالي إلى التكليفين المشكوكين على حدّ واحد ، فيكون ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح ، وهو ممتنع عقلا ، فلا يصدر من الشارع.
وبهذا يثبت لنا بالبرهان أنّ العلم الإجمالي في هذه الصورة ساقط عن المنجّزيّة [١].
ولكن هل تجري البراءة العقليّة والشرعيّة عن الوجوب المشكوك والحرمة المشكوكة أو لا؟
سؤال اختلف الأصوليّون في الإجابة عليه.
[١] وينبغي أن يعلم أنّ فرض الدوران بين المحذورين تارة يكون بين الوجوب والحرمة ، كتكليفين عباديّين يشترط فيهما قصد القربة وامتثال الأمر ، وأخرى يكونان توصّليّين ، وثالثة يكون أحدهما توصّليّا والآخر تعبّديّا.
ومحلّ بحثنا هنا الوجوب والحرمة التوصّليّان فقط ، كما إذا حلف على شيء فعلا أو تركا كالسفر ، وأمّا إذا كانا تعبّديّين أو أحدهما فحينئذ تكون المخالفة القطعيّة ممكنة ، بأن لا ينوي القربة في هذا ويأتي بذاك أو لا ينوي القربة فيهما ويقوم بهما معا.