المستشرقون والدّراسات القرآنيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١١٨ - الأبعاد الفنية
وكاختبار لسلامة الترجمة القرآنية وجودة أدائها ، هو رد الترجمة إلى أصلها العربي ، فكلما كانت الإعادة متقاربة مع الأصل كانت الترجمة أقرب إلى الدقة ، وكلما اختلف النص المعاد ، كانت الترجمة أبعد عن الضبط وفي ضوء هذا المنظور يتوافر الحكم على الترجمة ومدى صلاحيتها.
وقد أفاض بعض الباحثين في هذه الآداب والاعتبارات يرجع إليها في طلب التفصيل وزيادة الإيضاح [١].
ان الترجمة حركة إنسانية عالمية ، تعنى بنقل الفنون والآداب بين الأمم ، لا تحدها حدود ولا تمنعها قيود ، سعيا وراء المعرفة واستقراء المجهول ، فالعلوم والمعارف جميعا لا تعرف وطنا تستقر فيه ولا تؤمن بالقيود الإقليمية التي يفرضها علم الاجتماع على الحياة ... فهي تنتقل من ذهن إلى ذهن غير غائبة بعقبة اللغة ، وتتداعى لها العقول أيا كانت المذاهب والعقائد التي يدين بها أهل العلم والمعرفة ، فالعلم إنساني عام والمعرفة شاملة.
وهذا الطابع الإنساني البشري الشامل الذي يميز العلم والمعارف قد اقتضى أن يكون بين اللسان واللسان تفاهم وتجاوب : ... وهذا ما حمل المترجمين عبئا ثقيلا ، لأنه طالبهم بأن ينقلوا إلى لغة العالم الحية كل خطوة من خطى العلم مهما ضؤل شأنها ، وكل كشف يهتدي إليه عالم ولو كان لسانه لهجة دارجة من مئاب اللهجات الصينية ، وكل ظاهرة طبيعية يرصدها راصد ولو كان أبكم اللسان [٢].
والقرآن الكريم ذو طابع إنساني عام ، وهو وان كان عربي العبارة إلا أنه عالمي الرسالة ولا بد للإنسانية أن تتفاعل معه ، وللعالم أن يتداعى إليه ، ولا سبيل إلى ذلك ، إلا بنشر معالم هذا الكتاب ، ولا طريق إلى نشره إلا الترجمة في إطارها الموضوعي ، لأنها تطل على العالم بنوع من أنواع الثقافة العليا لتخترق بها حواجز البيئات التي حجبت معارفها بأسوار
[١] ظ : الذهبي ، التفسير والمفسرون : ١ / ٢٩+ الزرقاني ، مناهل العرفان : ٢ / ٩. [٢] وديع فلسطين ، مقومات الترجمة الصحيحة ، مجلة المجمع العلمي العربي ، يناير ١٩٦٢ م.