المستشرقون والدّراسات القرآنيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٥٨ - ظاهرة الوحي والمستشرقون
وقد دلت الأحداث الاستقرائية ، والسيرة الذاتية للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على رجاحة عقله واتزانه في تصرفاته ، وتأكد لهم افتراؤهم بما شاهدوه من مجريات الأمور ، وقد لبث النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بين ظهرانيهم حقبا طويلة قبل البعثة فما مسكوا زلة ولا أدركوا غفلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النكتة الدقيقة بقوله :
( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [١].
وترددوا بقول الكهانة من بعد الجنون ، فرد افتراءهم القرآن بما أمره به :
( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) ) [٢].
فما كان محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم إلا بشيرا ونذيرا ، وما كان الوحي إلا ذكرا للعالمين فأين هو من الكهانة؟
( وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) ) [٣].
وحينما أعيتهم الحيلة ، ووقف بهم المنطق السليم ، انطلقوا إلى القول : ( إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) [٤].
شأنهم في هذا شأن من تقدمهم من الأمم مع أنبيائهم ورسلهم ، حذو القذة بالقذة ؛ وفي الادعاءات قال تعالى :
( كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) ) [٥] وقد علموا جديا ؛ أن محمدا صلىاللهعليهوآلهوسلم في أصالته العقلية ؛ أبعد ما يكون عن السحر والشعبذة والتمويه من قبل ومن بعد.
وتمسكوا بأوهن من بيت العنكبوت ؛ فأشاعوا بكل غباء أن لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم معلما من البشر ؛ وهو غلام رومي يحترف صناعة السيوف بمكة ؛ فألقمهم القرآن حجرا بردهم ردا فطريا :
[١] يونس : ١٦. [٢] الطور : ٢٩. [٣] الحاقة : ٤٢. [٤] المدثر : ٢٤. [٥] الذاريات : ٥٢.