المستشرقون والدّراسات القرآنيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٥١ - ظاهرة الوحي والمستشرقون
وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء [١]. ومؤدى التعريفات واحد فيما يبدو ، إذ الإشارة السريعة ، اعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين. ومن ثم قيل « الكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وحي » [٢] باعتبار أسرارها إليهم من قبل ملك الوحي : واختصاصها بهم دون سائر الناس قال ابن الأنباري :
سمي الوحي وحيا لأن الملك أسره على الخلق ؛ وخص به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم [٣].
ومن هنا يبدو أن التعريف الشرعي منحدر عن الأصل اللغوي في خصوصية الأسرار والاعلام السريع ؛ وما يصاحب ذلك من الإشارة والرمز اللذين يخفيان على الآخرين. وقد عبر الأستاذ محمد عبده عن ذلك بما يقارب هذا المؤدى فقال : « بأنه عرفان يجده الشخص في نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة ؛ أو بغير واسطة ، والأول يتمثل لسمعه بصوت أو بغير صوت » [٤].
ولعل المراد بما يتلقاه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من العرفان اليقيني بغير صوت هو الالقاء في الروع ؛ وذلك بأن ينفث الله في روع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما يشاء من أمر ؛ أو ينفث روح القدس ما أوحى إليه بتبليغه إياه ؛ فيكون ذلك من الوحي بوجه من الوجوه. وقد يؤيد هذا الملحظ ما نسب إلى
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : « إن روح القدس نفث في روعي » [٥].
٢ ـ سماع كلام الله تعالى مباشرة من وراء حجاب دون معاينة أو رؤية ؛ لامتناع ذلك عقلا وشرعا ؛ كما كلم الله موسى بن عمران عليهالسلام ( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) [٦] وكان ذلك من وراء حجاب « وهو أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه إلا من يريد أن يكلمه به نحو كلامه لموسى عليهالسلام لأنه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا عن موسى عليهالسلام وحده ؛
[١] ظ : ابن منظور ، لسان العرب : ٢٠ / ٢٥٨. [٢] الراغب الأصبهاني : المفردات : ٥١٥. [٣] ابن منظور : لسان العرب : ٢٠ / ٢٥٨. [٤] محمد رشيد رضا : الوحي المحمدي : ٢٨. [٥] ظ : الحديث في الاتقان للسيوطي : ١ / ١٢٩+ المفردات للراغب : ٥١٥. [٦] النساء : ١٦٤.