موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام - القرشي، الشيخ باقر شريف - الصفحة ٧٤
تصرّم الدنيا
خطب الإمام ٧ أصحابه بهذه الخطبة البليغة وقد وعظهم بها ، وحذّرهم من غرور الدنيا وفتنها وشرورها ، قال ٧ :
« ألا وإنّ الدّنيا قد تصرّمت ، وآذنت بوداع وتنكّر معروفها ، وأدبرت حذّاء [١] ، فهي تحفز بالفناء سكّانها ، وتحدر بالموت جيرانها ، وقد أمرّ فيها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلاّ سملة كسملة الإداوة [٢] ، أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع [٣]. فأزمعوا عباد الله الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم فيها الأمد.
فو الله لو حننتم حنين الولّه العجال ، ودعوتم بهديل الحمام ، وجأرتم جؤار متبتّل الرّهبان ، وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه ، وحفظتها رسله ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه ، وأخاف عليكم من عقابه.
والله لو انماثت قلوبكم انمياثا [٤] ، وسالت عيونكم من رغبة إليه أو
[١] الحذاء : السرعة.
[٢] السملة : بقيّة الماء في الحوض.
[٣] التمزّز : الامتصاص قليلا قليلا. الصديان : العطشان.
[٤] انماثت : أي ذابت.