والكال في التاريخ كسائر التواريخ القديمة، سرد للحوادث والأخبار بحسب تواريخها. ويعترف صاحبه بأنه نقل عن الطبري، وقد أشار إلى ذلك في مقدمته فقال إنه أخذ عن التاريخ الكبير لأبي جعفر الطبري، إذ هو الكتاب المعول عليه، أخذ منه جميع تراجمه، ولم يخل بواحدة منها، على أنه لم يتبع خطى الطبري في التأليف، فإن الطبري كان يذكر في أكثر الحوادث روايات عديدة، فقصد ابن الأثير إلى أتمها فنقله وأضاف إليه.
ويدلنا قوله هذا على أنه لم ينقل الحوادث التاريخية على علاتها، وإنما كان يختار منها ما يراه موافقا لمعقوله ويؤلفه تأليفا جديدا بما يضيف إليه، وهو إن لم يكن قد سار على أسلوب فلسفة التاريخ في نقده للحوادث وربطه بين الأسباب والمسببات، وهو أسلوب لم يعرف إلا مع ابن خلدون، فإنه كان ينقد ما ينقله، ولم يكن ينقل إلا كل ما رآه صوابا، وكان يعرض عن نقل ما يراه غير موافق للعقل، فعله بما رواه الطبري عن خلق الشمس والقمر وسيرهما، قال:
" وروى أبو جعفر، ههنا، حديثا طويلا عدة أوراق عن ابن عباس، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في خلق الشمس والقمر وسيرهما، فإنهما على عجلتين لكل عجلة ثلاث مئة وستون عروة يجرها بعددها من الملائكة، وإنهما يسقطان عن العجلتين فيغوصان في بحر بين السماء
مقدمة ١٣