تفسير البحر المحيط - أبو حيّان الأندلسي - الصفحة ١٢٦
* وردت ويجى اليشكري حذاره *
وحاد كما حاد البعير عن الدحض *
وقال آخر:
* أبا منذر رمت الوفاء وهبته *
وحدت كما حاد البعير المدحض *
والدحض الطين الذي يزهق فيه. الموئل قال الفراء: المنجي يقال والت نفس فلان نجت. وقال الأعشى:
* وقد أخالس رب البيت غفلته *
وقد يحاذر مني ثم ما يئل *
أي: ما ينجو. وقال ابن قتيبة: الملجأ يقال: وأل فلان إلى كذا ألجأ، يئل وألا وؤولا.
* (واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله) *.
لما بين تعالى في المثل الأول حال الكافر والمؤمن وما آل إليه افتخر به الكافر من الهلاك، بين في هذا المثل حال * (قالوا لن) * واضمحلاها ومصير ما فيها من النعيم والترفه إلى الهلاك و * (كماء) * قدره ابن عطية خبر مبتدأ محذوف، أي هي أي * (إنما مثل الحيواة) *. وقال الحوفي: الكاف متعلقة بمعنى المصدر أي ضربا * (كماء أنزلناه) * وأقول إن * (كماء) * في موضع المفعول الثاني لقوله * (واضرب) * أي وصير * (لهم مثل الحيواة الدنيا) * أي صفتها شبه ماء وتقدم الكلام على تفسير نظير هذه الجمل في قوله * (إنما مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام) * في يونس * (فأصبح) * أي صار ولا يراد تقييد الخبر بالصباح فهو كقوله:
* أصبحت لا أحمل السلاح ولا *
أملك رأس البعير إن نفرا *
وقيل: هي دالة على التقييد بالصباح لأن الآفات السماوية أكثر ما تطرق ليلا فهي كقوله * (فأصبح يقلب كفيه) *. وقرأ ابن مسعود: تذريه من أذرى رباعيا. وقرأ زيد بن علي والحسن والنخعي والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وابن محيصن وخلف وابن عيسى وابن جرير: الريح على الإفراد. والجمهور * (تذروه الرياح) *. ولما ذكر تعالى قدرته الباهرة في صيرورة ما كان في غاية النضرة والبهجة إلى حالة التفتت