الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١ - الثالث الإيمان
ومحبوباً للمولى ، وما كان كذلك يستحق عليه فاعله المدح والثواب ، فعدم الثواب يكشف عن عدم صحّة العمل شرعاً ، وحيث إن المخالف لا يستحق الثواب - وهو دخول الجنة - إجماعاً ، فلابدّ أن لا يكون عمله صحيحاً ، وليس هو إلاّ من جهة فقدان بعض ما يعتبر فيه ، والمفروض أنه ليس سوى الإيمان ، فيدل ذلك على أن العمل العبادي في مرحلة تعلق الأمر به مشروط بالإيمان والاذعان بالولاية .
ولكن هذا البيان غير تام ، والملازمة المذكورة ممنوعة ، إذ ليس الكلام في حسن الفعل عقلاً واستحقاق المدح عليه كذلك ، بل في حسنه ومحبوبيته شرعاً واستحقاق الثواب الاُخروي عليه ، ولا ملازمة بين الأمرين في الواجبات أي أن صحّة العمل الوجوبي لا تستلزم استحقاق الثواب عليه ، وإنما تستلزم عدم استحقاق العقوبة المقررة على تركه وحسب ، لأن الحكم المولوي الوجوبي - كما مرّ مراراً - يستبطن الوعيد على المخالفة . وأما الثواب الاُخروي على الامتثال فهو تفضل منه سبحانه وتعالى ، ويمكن أن يكون لاستحقاقه شرائط اُخرى غير أصل الاتيان بالعمل صحيحاً ، نعم الصحة في العمل المستحب تلازم استحقاق الثواب ، لأن الحكم المولوي غير الإلزامي إن كان مستحباً يتضمن الوعد على الفعل ، ولا معنى للصحّة دون استحقاق الثواب . إذن هذا الوجه الذي ذكره الشهيد لا يمكن اعتماده دليلاً على شرطية الإيمان في صحّة العبادات الواجبة » ، بحوث في شرح مناسك الحج ٥ : ٤٦٩ .
أقول : هذا الكلام غريب من القائل ، فإن امتثال العبد الأوامر المولوية الوجوبية لا يقتضي استحقاق الثواب بلا كلام ، ولذا قال السيد الاُستاذ السيد الخوئي ( قدس سره ) : « إن العبد بقيامه بامتثال أوامر المولى ونواهيه يصير أهلاً لذلك ] أي أهلاً لتفضل الله عليه بالثواب [ فلو تفضل المولى بالثواب عليه كان في محله » موسوعة الإمام الخوئي ٤٤ : ٢٣٠ ، محاضرات في اُصول الفقه ٢ : ٣٩٥ إلاّ أن ذلك يشترك فيه المؤمن والمخالف ، فإذا كان المؤمن لا يستحق الثواب فهل المخالف كذلك أو لا ؟ لا شك أنه ليس كذلك ، إذ ليس هو أهلاً لتفضل الله عليه بالثواب وإدخاله الجنّة ، فلم يبق إلاّ دخول النار ، فكيف يقال إنه لا يستحق الثواب ، بل غاية ما يقال إنه لا يستحق الوعيد . ومنه يظهر أن عدم استحقاق الثواب فيه كاشف عن فساد عباداته ، إذ ليس هو إلاّ استحقاق الوعيد له ، وليس عندنا ولا عند غيرنا مكان ثالث غيرهما يدخل فيه مثل هؤلاء ، فإن دخلوا الجنة كشف ذلك عن عدم شرطية الإيمان ، وإن دخلوا النار معناه استحقوا العقوبة على الترك ، وهو معنى ولازم عدم دخول الجنة وعدم الثواب ، إذ لا انفكاك بينهما ، فأي معنى للتفريق بينهما إلاّ التفريق بينهما في اللفظ ، فإنا أو إياهم - عندنا وعندهم - لعلى هدى أو في ضلال مبين . واحتمال أن دخول النار إنما هو لأجل ترك الولاية فقط دون غيرها من الواجبات والمحرمات كما ترى من البعد بمكان ، لأنه إنما خلقهم ليعبدون بإطاعة أوامره لا الأمر بالولاية فقط فكما أن الولاية شرط في صحّة الأعمال المستحبة هي شرط في صحّة الأعمال الواجبة ، ومعنى الشرطية فيها كون العمل الواجب من دون ولاية عصيان للمولى ، وكيف يمكن أن يقع ما هو عصيان للمولى ومنهياً عنه مصداقاً للواجب وامتثالاً له .
ومن ذلك تعرف الوجوه الضعيفة التي ردّ بها القائل الروايات المستفيضة الدالة على اعتبار الإيمان في صحّة العمل العبادي مطلقاً ، واجباً كان أو مستحباً .
فقال بالنسبة إلى صحيحة زرارة ونحوها مما دل على عدم استحقاق المخالف الثواب على عمله العبادي إنها دالة « على عدم الثواب ، وهو أعم من عدم الصحّة في الواجبات ، فربما يكون العمل صحيحاً ومجزياً وموجباً لسقوط